حمص/ بسام الحمد
تحت شمس حمص الحارقة، تتجول سلمى الحسين (42 عاماً) بين أكشاك السوق الشعبي، حاملة قائمة مشتريات أصبحت أشبه بأمنيات بعيدة المنال. تقف أمام بائع الزيوت وتسمع الرقم بصدمة: “عشرون ألف ليرة للتر الواحد؟!”. تتحسس محفظتها البالية وتهمس: “قبل أسبوع فقط كان السعر ستة عشر ألفاً”.
في يدها الأخرى، تحمل كيساً صغيراً من الأرز المصري الذي ارتفع سعره من ثمانية آلاف إلى اثني عشر ألفاً للكيلوغرام. نظرة واحدة إلى سمنة الغنم تجعل قلبها يتسارع، فقد قفز سعرها بنسبة عشرين في المئة خلال أيام قليلة. “كأننا نعيش كابوساً لا ينتهي”، تقول سلمى وهي تغادر السوق بحاجيات أقل مما خططت له.
في المدينة المجاورة حماة، يجلس أبو ياسر (55 عاماً) في محله المتواضع لبيع المواد الغذائية، يراقب الزبائن وهم يتجولون بين الرفوف المليئة بالبضائع دون أن يشتروا الكثير. “السلع متوفرة بكثرة، لكن الناس لم تعد تقدر على الشراء”، يقول بحسرة. “التجار يعيشون على أعصابهم، فسعر الصرف يحمل مفاجأة جديدة كل يوم”.
لم يكن أبو ياسر يتخيل أن سعر الدولار سيتخطى حاجز الأحد عشر ألف ليرة عندما افتتح محله صباح اليوم، لكنه الآن مضطر لإعادة تسعير كل البضائع من جديد. “الدولار يأكل الأخضر واليابس”، يردد وهو يعيد ترتيب السلع على الرفوف.
هذه الصورة المأساوية تتكرر يومياً في أسواق المحافظات السورية. فبينما تفيض المتاجر بالبضائع، تخلو حقائب المستهلكين من القدرة على الشراء. الأزمة لم تعد مجرد ارتفاع في الأسعار، بل أصبحت أزمة ثقة في الاقتصاد الوطني بأكمله.
في سوق الحميدية بحمص، تقف رنا العلي (37 عاماً) أم لثلاثة أطفال، تتأمل سعر علبة الحليب التي ارتفعت بين عشية وضحاها. “زيادة الرواتب الأخيرة كانت كالمطر على سطح أملس، جفت فوراً بفعل موجة الغلاء الجديدة”، تقول بحسرة. تشير إلى أن الأسعار قفزت بشكل مفاجئ بعد موجة الحر الأخيرة، مما جعل المواطن عاجزاً عن استيعاب ما يحدث.
الخبيرة الاقتصادية الدكتورة منى الشعار من جامعة حمص توضح أن الارتفاع الحالي جاء بفعل عاملين متزامنين: موجة الحر وصعود الدولار. “من ناحية، رفع ارتفاع الدولار كلفة الاستيراد والمواد الأولية والطاقة، ومن ناحية أخرى، أدت موجة الحر إلى تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع تكاليف النقل والتخزين”.
لكن الدكتورة منى تتساءل عن طبيعة هذه الأزمة: “هل هو تضخم أم فقدان قيمة العملة؟”. وتشرح أن التضخم ليس مجرد ارتفاع الأسعار، بل هو فقدان الليرة لوظيفتها كمخزن للقيمة ووسيط للتبادل.
في حماة، يشكو المعلم وائل (47 عاماً) من عدم جدوى زيادة الرواتب التي يصاحبها دائماً ارتفاع غير مبرر في الأسعار. “عادت المخاوف القديمة من احتكار السلع والمواد الأساسية”، يقول وهو يعد النقود لشراء حاجات أسرته. “خاصة بعد قرارات وزارة الاقتصاد الأخيرة بوقف استيراد العديد من المواد الغذائية”.
الدكتور نبيل قنواتي، الخبير الاقتصادي من دمشق، يعزو ارتفاع سعر صرف الدولار إلى مجموعة عوامل مترابطة. “الركود الاقتصادي، والعجز في الموازنة العامة، وشح الاحتياطي الأجنبي، وغياب أثر الاستثمارات الخارجية، واستمرار العقوبات الغربية، كلها عوامل تدفع بالدولار للصعود”.
في سوق البزورية بدمشق، يشارك بائع التوابل محمد الدروبي (50 عاماً) زبائنه معاناتهم. “نحن أيضاً ضحايا هذه الأزمة”، يقول وهو يرتب عبوات البهارات. “التاجر لم يعد قادراً على التنبؤ بالأسعار، والمستهلك لم يعد قادراً على الشراء. الجميع خاسر في هذه المعادلة”.
أما عن المستقبل، فتقدم الدكتورة منى سيناريوهين متباينين: “سيناريو متشائم قد يصل فيه سعر الدولار إلى عشرين ألف ليرة، وسيناريو مستقر نسبياً قد يتراوح فيه السعر بين اثني عشر وأربعة عشر ألفاً”. لكنها تستدرك: “حتى في حالة الاستقرار سيكون الأمر هشاً وغير مضمون”.
بينما تغرب الشمس على أسواق حمص وحماة، تبقى المعاناة اليومية للسوريين هي القصة الأكثر مرارة. سلمى تعود إلى منزلها بحاجيات أقل مما خططت لشرائه، وأبو ياسر يغلق محله مبكراً بسبب قلة الزبائن، والمعلم وائل يحمل أكياساً خفيفة لا تكاد تفي بحاجات عائلته.
جميعهم يتساءلون: إلى متى ستستمر هذه المعاناة؟ وإلى أين ستصل أسعار المواد الأساسية في بلد أنهكته الأزمات؟ الأسواق تعج بالبضائع لكن القلوب تعج بالخوف، والخوف وحده لا يشبع بطون الجياع.
كما تقول سلمى وهي تعد طعام العشاء لعائلتها: “نحن لا نطلب الرفاهية، فقط نريد أن نطعم أولادنا بكرامة. لكن حتى هذا أصبح حلماً بعيد المنال في سوريا اليوم”.