حمص/ بسام الحمد
تشهد محافظة حمص تراجعاً خطيراً في مستوى المياه الجوفية، في وقت أصبح الاعتماد على نهر العاصي أقل نتيجة انحسار مجراه في السنوات الأخيرة. هذا الواقع يشكل تهديداً حقيقياً لمستقبل المنطقة، ويضع الزراعة والبيئة والاقتصاد المحلي تحت ضغط متواصل، في وقت تتحرك فيه العائلات والفلاحون لمحاولة التكيف مع شح الموارد المائية المتزايد.
في ريف حمص، يعاني الفلاحون من انخفاض ملحوظ في مستوى المياه في الآبار القديمة، ما يضطرهم إلى حفر آبار أعمق أو شراء مياه إضافية لسقي المحاصيل. سامر، فلاح في إحدى القرى، يروي: «البارحة وصلنا لعمق 120 متراً لنجد الماء… قبل خمس سنوات كان يكفي أن نحفر 60 متراً فقط. كل يوم يزيد الجهد والتكلفة، والموسم الزراعي أصبح غير مضمون». معاناة سامر تعكس ضغوط آلاف الأسر التي تعتمد حياتها على الريّ والمياه الجوفية.
تراجع الاعتماد على نهر العاصي جاء نتيجة انخفاض مستمر في منسوب المياه، خصوصاً خلال فترات الصيف والجفاف الممتد، ما دفع الأهالي للبحث عن بدائل أخرى. الهياه الجوفية أصبحت الحل الرئيس لسقاية الأراضي، لكنها تتعرض للاستنزاف نتيجة السحب المفرط وعدم وجود خطط واضحة لإعادة تعبئتها.
الأثر الاجتماعي لهذا الواقع بدأ يظهر بوضوح. عائلة المهدي في إحدى القرى اضطرت إلى تقليص زراعة محاصيلها التقليدية والاكتفاء بالمحاصيل المقاومة للجفاف. تقول نجلاء، أم العائلة: «كنا نزرع القمح والشعير والخضار، الآن الماء لا يكفي لكل شيء، واضطررنا نختار ما ينبت بمياه أقل. الأطفال يشعرون بالقلق لأننا نخاف على مستقبل الأرض». قصتها تعكس مخاوف آلاف الأسر الريفية التي تواجه نفس التحدي.
في المدن، يزداد الاعتماد على الحفر العميق للآبار لسد الحاجة المنزلية والصناعية، ما يزيد الضغط على المياه الجوفية ويهدد استمرارها على المدى الطويل. الخبراء يحذرون من أن استمرار هذا النهج بدون خطة إدارة مستدامة قد يؤدي إلى فقدان كامل لمخزون المياه الجوفية في بعض المناطق خلال العقد القادم.
تأثير الاستنزاف لا يقتصر على الزراعة فقط، بل يمتد إلى البيئة والطبيعة. انخفاض منسوب المياه يؤدي إلى تدهور الأراضي، ظهور شقوق في التربة، وجفاف بعض الجداول الصغيرة، ما يقلل من التنوع البيولوجي ويهدد الحياة البرية. المهندس البيئي خالد يوضح: «الاستنزاف المتواصل للآبار الجوفية يؤدي إلى هبوط مستوى المياه، وبالتالي جفاف التربة وفقدان الغطاء النباتي. هذا يخلق حلقة مفرغة من التدهور البيئي».
بعض المشاريع المحلية بدأت في محاولة مواجهة الأزمة، مثل حملات التوعية لتقليل استهلاك المياه، وتركيب أنظمة ري حديثة، وتجميع مياه الأمطار، لكنها تبقى حلولاً جزئية مقارنة بالحجم الكبير للضغط على الموارد المائية. في إحدى القرى، قرر الشاب يوسف استثمار تقنيات الري الحديثة في مزرعته الصغيرة لتوفير الماء، لكنه يعترف: «الحلول موجودة، لكنها تكلف كثيراً، والفلاح العادي لا يستطيع تحملها. إذا لم يكن هناك دعم حكومي، لن يكون هناك مستقبل للماء».
مستقبل المنطقة مرتبط بشكل كبير بقدرة السلطات والمجتمع المحلي على إدارة الموارد المائية بذكاء. المياه الجوفية ليست مجرد مياه في باطن الأرض، بل شريان حياة للزراعة، والماء، والبيئة، والاستقرار الاجتماعي. استمرار السحب المفرط قد يؤدي إلى تغيرات غير قابلة للعكس، مثل انخفاض منسوب المياه بشكل دائم، تملح التربة، وزيادة هجرة الريف إلى المدن بحثاً عن فرص أفضل.
في أحد الأودية القديمة قرب مجرى العاصي، وقف الشاب جابر ينظر إلى أرض جرداء كانت قبل سنوات قليلة غنية بخضرة الزيتون. يقول: «حتى إذا زرعنا، ما بنضمن ريّ يكفي. الماء صار سلعة نادرة… كل شتلة لها حساب».
تداعيات الأزمة لا تقتصر على الأفراد فقط، بل على المجتمع ككل: الأمن الغذائي مهدَّد، الأسعار ارتفعت بسبب انخفاض المحاصيل، المواشي تقلصت، والريف يفقد جزءاً من قاعدته الاقتصادية.
ويشكل استنزاف المياه الجوفية وانحسار مجرى نهر العاصي أزمة استراتيجية للمنطقة، تفرض على الجميع — السلطات، والمزارعين، والمجتمع المدني — التفكير في حلول عاجلة ومستدامة. الماء أصبح مورداً محدوداً وثميناً، واستمراره مرتبط بمستقبل الزراعة، والاقتصاد، والبيئة، وحياة السكان. أي تأجيل في اتخاذ إجراءات صارمة لإدارة المياه الجوفية سيترك آثاراً طويلة الأمد قد لا يمكن إصلاحها بسهولة، ما يجعل المحافظة أمام اختبار حقيقي لمستقبلها المائي والاجتماعي.