لكل السوريين

مفاوضات بلا أوهام.. هل تنقذ الدبلوماسية الشرق الأوسط من التصعيد؟

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تعود الدبلوماسية لتفرض نفسها عبر بوابة إسلام آباد، حيث تستضيف باكستان جولة حساسة من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، في محاولة لاحتواء التصعيد المتسارع في الشرق الأوسط. رئيس الوزراء شهباز شريف قدّم هذه المحادثات بوصفها فرصة لوضع أسس سلام دائم، غير أن الواقع يبدو أكثر تعقيدًا من أي خطاب تفاؤلي، فالتوازن بين مصالح متناقضة بهذا الحجم لا يُدار بسهولة، ولا يُحسم في جلسات تفاوض تقليدية.

هذه المفاوضات لا تجري في فراغ، بل في قلب مشهد مشتعل: تصعيد عسكري في لبنان، توتر مزمن في مضيق هرمز، وضغوط اقتصادية عالمية تتفاقم يومًا بعد يوم. وهي تأتي بعد أسابيع من مواجهات أعادت رسم خطوط التوتر في المنطقة، ما يجعلها أقرب إلى محاولة احتواء أزمة مفتوحة، لا إلى تسوية ناضجة الشروط. لذلك، فإن الرهان على نتائج سريعة قد يكون أقرب إلى التمنّي منه إلى الحسابات الواقعية.

تباين الأجندات… حوار أم صراع مؤجل؟

إيران تدخل هذه المفاوضات من موقع واضح: أولوية رفع العقوبات والحفاظ على برنامجها النووي ضمن رؤيتها السيادية، مع رفض أي مقاربة تربط هذا الملف بنفوذها الإقليمي. بالنسبة لطهران، أي توسيع لجدول الأعمال يُعد محاولة لتقليص دورها الاستراتيجي في المنطقة.

في المقابل، لا تبدو واشنطن مستعدة للعودة إلى اتفاقات جزئية. فهي تدفع باتجاه مقاربة شاملة تشمل البرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، ودور إيران في ملفات إقليمية معقدة من لبنان إلى العراق واليمن. هذا التباين الجوهري يجعل المفاوضات أقرب إلى اختبار إرادات، حيث تُدار الخلافات بلغة دبلوماسية ناعمة، لكنها تخفي صراعًا حقيقيًا على النفوذ والتوازنات.

ملفات متفجرة على الطاولة

يفرض الملف اللبناني نفسه بقوة ضمن سياق هذه المحادثات، حيث ترى طهران أن أي تهدئة هناك يجب أن تكون جزءًا من التفاهمات، بينما تتحفظ واشنطن وحلفاؤها على إدخال أطراف غير مباشرة في المفاوضات. هذا التباين يعمّق الفجوة ويعقّد فرص الوصول إلى صيغة مشتركة.

أما مضيق هرمز، فيبقى العنوان الأكثر حساسية، باعتباره شريانًا حيويًا للطاقة العالمية. الضغوط الأميركية لضمان حرية الملاحة تصطدم برؤية إيرانية تعتبر الوجود العسكري الأجنبي تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. وبين هذين الموقفين، تتحول الجغرافيا إلى عنصر ضغط دائم على طاولة التفاوض.

باكستان… الوسيط في حقل ألغام

اختيار باكستان كمضيف ووسيط يعكس رغبتها في لعب دور أكبر على الساحة الدولية، لكن هذا الدور محفوف بالمخاطر. فإسلام آباد تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: نجاح الوساطة يعزز موقعها الإقليمي والدولي، بينما الفشل قد يضعف مصداقيتها ويكشف حدود قدرتها على التأثير.

إلى جانب ذلك، تدرك القيادة الباكستانية أن استمرار التوتر في المنطقة لن يبقى بعيدًا عن تداعياته الداخلية، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني. لذلك، فإن انخراطها في هذه الوساطة لا يخلو من حسابات ذاتية تتجاوز البعد الدبلوماسي.

سيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات

من الصعب التعويل على اختراق كبير في هذه المرحلة، لكن يمكن رسم ثلاثة مسارات محتملة: أولها استمرار حالة “التهدئة الهشة” دون اتفاق شامل، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب. ثانيها انهيار المفاوضات وعودة التصعيد، مع احتمال توسع رقعة التوتر. أما الثالث، فيتمثل في اتفاق جزئي يركّز على ملفات محددة كالملاحة أو بعض جوانب البرنامج النووي، دون معالجة جذرية لبقية القضايا.

كل سيناريو من هذه السيناريوهات يحمل تداعيات تتجاوز حدود واشنطن وطهران، لتطال استقرار المنطقة وأسواق الطاقة العالمية، ما يمنح هذه المفاوضات وزنًا استثنائيًا في حسابات القوى الدولية.

الدبلوماسية في مواجهة حافة الانفجار

في النهاية، تعكس المفاوضات الأميركية – الإيرانية في باكستان إدراكًا متبادلًا بأن البديل عن الحوار هو مزيد من التصعيد، وربما انزلاق إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها. ورغم ضآلة فرص الوصول إلى اتفاق شامل، فإن مجرد استمرار الحوار يظل مؤشرًا على أن الدبلوماسية، مهما بدت ضعيفة، لا تزال خيارًا قائمًا.

يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح هذه المحادثات في تحويل “السلام تحت النار” إلى واقع مستقر، أم أنها مجرد محطة عابرة في مسار صراع طويل؟ الإجابة لن تحدد فقط مستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران، بل سترسم أيضًا ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط، بين منطق التسويات ومنطق الانفجار.

- Advertisement -

- Advertisement -