لكل السوريين

نزيف الغطاء الأخضر في درعا.. قطع الأشجار بين قسوة الحاجة وخطر الاستنزاف البيئي

السوري ـ درعا

تواجه محافظة درعا في جنوب سوريا تصاعداً مقلقاً في ظاهرة قطع الأشجار الجائر، في ظل ظروف معيشية قاسية وأزمات متراكمة دفعت كثيراً من السكان إلى اللجوء للحطب كبديل أساسي للتدفئة، ما انعكس بشكل مباشر على البيئة وسبل العيش في المنطقة.

فالمشهد الذي لطالما ميّز سهل حوران بغطائه الأخضر من أشجار الزيتون والتين واللوز، بدأ يتلاشى تدريجياً، ليحلّ مكانه فراغ بيئي يهدد التوازن الطبيعي ويزيد من معاناة الأهالي، خاصة مع غياب حلول بديلة للطاقة وارتفاع أسعار المحروقات.

الحاجة تدفع إلى قطع الأشجار

يقول أبو صالح، وهو مزارع من ريف درعا الشمالي، إن الظروف الاقتصادية أجبرته على اتخاذ قرار لم يكن يتخيله يوماً، وهو قطع أشجار الزيتون التي ورثها عن والده.

ويضيف: “لم نعد قادرين على تأمين مستلزمات الزراعة أو حتى التدفئة، فكان بيع الأشجار كحطب هو الخيار الوحيد لتأمين احتياجات عائلتي، رغم أن ذلك مؤلم جداً”.

وتعكس هذه الحالة واقعاً تعيشه شريحة واسعة من المزارعين، الذين وجدوا أنفسهم بين خيارين كلاهما قاسٍ: إما الحفاظ على أشجارهم دون القدرة على الاستفادة منها، أو قطعها لتأمين لقمة العيش.

تأثيرات بيئية وصحية متزايدة

ولا تتوقف تداعيات الظاهرة عند الجانب الاقتصادي، بل تمتد لتشمل البيئة والصحة العامة. تقول أم فجر، من ريف درعا الغربي، إن التغير في محيط قريتها أصبح واضحاً خلال السنوات الأخيرة.

وتوضح: “اختفت الأشجار التي كانت تحيط بالمنازل، وأصبح الغبار أكثر، والحرارة أشد، وحتى الأطفال باتوا يعانون من مشاكل تنفسية بشكل أكبر”.

ويؤكد مختصون أن تراجع الغطاء النباتي يؤدي إلى تآكل التربة، وزيادة احتمالية حدوث السيول، إلى جانب خسارة التنوع الحيوي، ما يجعل التأثيرات طويلة الأمد وصعبة التعويض.

من الحاجة إلى التجارة

في المقابل، يشير سكان محليون إلى أن الظاهرة لم تعد مقتصرة على الاستخدام الفردي، بل تحوّلت في بعض المناطق إلى نشاط منظم.

ويقول حسين، من بلدة مزيريب، إنه شاهد عمليات قطع واسعة تتم ليلاً، حيث تُنقل كميات كبيرة من الأشجار إلى الأسواق لبيعها كحطب.

ويضيف: “ما يحدث تجاوز حدود الحاجة، وأصبح تجارة واضحة، في ظل غياب الرقابة الفعلية”.

ضعف الاستجابة وتحديات الحلول

رغم خطورة الوضع، تبدو الجهود المبذولة للحد من هذه الظاهرة محدودة، سواء على المستوى الرسمي أو المجتمعي، في ظل ضعف الإمكانيات وقلة الموارد.

كما أن تطبيق القوانين المتعلقة بحماية الأشجار يواجه تحديات عديدة، من بينها ضعف الرقابة والخوف من مواجهة بعض المتنفذين، ما يترك المجال مفتوحاً لاستمرار التعديات.

مبادرات تبعث الأمل

ورغم قتامة المشهد، تظهر بين الحين والآخر مبادرات محلية تسعى إلى الحد من هذه الظاهرة، من خلال حملات توعية وتشجيع زراعة الأشجار.

كما يدعو ناشطون إلى تبنّي حلول بديلة، مثل استخدام الطاقة الشمسية أو وسائل التدفئة الموفّرة، لتقليل الاعتماد على الحطب والتخفيف من الضغط على الموارد الطبيعية.

تعكس ظاهرة قطع الأشجار في درعا واقعاً معقّداً تتداخل فيه الحاجة الاقتصادية مع التحديات البيئية، ما يجعل من حماية الغطاء الأخضر مسؤولية جماعية تتطلب تحركاً عاجلاً.

فما بين سعي الأهالي لتأمين احتياجاتهم اليومية، وخطر فقدان الموارد الطبيعية، يبقى التوازن صعباً، لكن الحفاظ على ما تبقى من البيئة بات ضرورة لا تحتمل التأجيل، كونه يشكّل أساساً لاستمرار الحياة في المنطقة.

- Advertisement -

- Advertisement -