لكل السوريين

صوتها حبر على ورق.. معركة الكاتبات السوريات من أجل مكان في المشهد الثقافي

تقرير/ مرجانة إسماعيل

في أحد المقاهي الثقافية بدمشق، تجلس مجموعة من الكتّاب حول طاولة مستديرة، أصواتهم تعلو في نقاش حاد حول آخر الإصدارات الأدبية. بينهم جلسن كاتبات سوريات، يصغين بصمت، ينتظرن فرصة لإبداء الرأي. عندما تأتي اللحظة، يتجه الحديث نحو قضايا أخرى، وكأن أصواتهن مجرد ظل للحديث الرئيسي. هذه الصورة المتكررة تختزل معاناة أكبر تعيشها الكاتبة السورية في مشهد ثقافي لا يزال يرفض منحها المساحة التي تستحقها.

لم تكن رحلة القلم النسوي في سوريا سهلة أبداً. فمنذ بدايات القرن العشرين، حاولت رواد مثل وداد سكاكيني وماري عجمي أن يفتحن الطريق لأصوات نسائية في فضاء ثقافي ذكوري بامتياز. اليوم، ورغم مرور عقود، لا تزال الكاتبة السورية تواجه إشكاليات عميقة في القبول والاعتراف والتقدير.

ندى، روائية شابة في الثلاثين من عمرها، تحكي عن معاناتها في نشر أولى رواياتها: “زارني ناشر وقال لي بصراحة: القصة جيدة، لكن اسمك أنثوي أكثر من اللازم. هل لديك اسم مستعار ذكوري؟” هذه العبارة لم تكن صادمة فحسب، بل كشفت عن نظرة دونية متجذرة في اللاوعي الثقافي السوري.

المشكلة لا تقتصر على النشر فقط، بل تمتد إلى التهميش في اللقاءات الثقافية والمهرجانات الأدبية. د. لمى الحسن، باحثة في الأدب النسوي، توضح أن “المرأة الكاتبة في سوريا تواجه تمييزاً مزدوجاً: أولاً لأنها كاتبة في مجلا! ثقافي يعاني أصلاً من الإهمال، وثانياً لأنها امرأة في مجتمع ذكوري”.

الأرقام تتحدث عن قصة التهميش بوضوح. ففي دراسة أجرتها اتحاد الناشرين السوريين عام 2024، تبين أن نسبة الكتب التي ألفتها نساء لا تتجاوز 22% من إجمالي الإصدارات، رغم أن نسبة القارئات تصل إلى 68%. كما أن الجوائز الأدبية الكبرى في سوريا لم تمنح للنساء إلا في 18% من الحالات فقط خلال العقد الماضي

لكن التهميش يأخذ أشكالاً أكثر خفاءً أحياناً. سمر، كاتبة قصصية، تتحدث عن “التقييم المختلف” الذي تواجهه: “عندما يكتب الرجل عن المشاعر، يصفونه بالعمق والحساسية. وعندما نكتب نحن عن نفس المشاعر، يقال إنها كتابات عاطفية وأنثوية”. هذه النظرة التبخيسية تختزل تجربة المرأة الإبداعية في بعدها الجنساني فقط، متناسية قيمتها الأدبية الخالصة.

التحرش الأدبي هو أحد أشكال التهميش الخفية التي لا يتم التحدث عنها. تقول ريم، شاعرة شابة: “تلقيت عروضاً للنشر مشروطة بـ’صداقات’ خاصة! بعضهم قال لي مباشرة: سأجعل منك نجمة أدبية إذا كنت مستعدة للمساومة”. هذه الممارسات تدفع الكاتبات إلى الانزواء أو استخدام أسماء مستعارة.

رغم هذه التحديات، فإن المشهد ليس قاتماً بالكامل. هناك تحولات إيجابية تلوح في الأفق. مجموعات القراءة النسائية أصبحت أكثر انتشاراً، ودور النشر المستقلة بدأت تولي اهتماماً أكبر للأصوات النسائية. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي وفرت مساحات بديلة للكاتبات للوصول إلى جمهورهن مباشرة.

الأديبة د. منى الحلبي ترى أن “المعركة ليست ضد الرجل، بل ضد منظومة ثقافية متجذرة تحتاج إلى إعادة نظر”. وتضيف: “المرأة السورية كاتبة مبدعة وقادرة على إثراء المشهد الثقافي إذا منحت الفرصة العادلة”.

بعض الكاتبات اخترن مواجهة التهميش بأساليب إبداعية. البعض أنشأن دار نشر خاصة بهن، والبعض الآخر أسسنَ مجموعات أدبية نسائية بحتة، والكثيرات لجأنَ إلى النشر الإلكتروني لتخطي عوائق النشر التقليدي.

القاصة لينا تذكر أن “أهم إنجاز تحقق هو كسر جدار الصمت. أصبحنا نتحدث عن التهميش علناً، وهذا بداية الطريق نحو التغيير”، فإن إنشاء ملتقيات خاصة بالأدب النسائي ونشوء نقاشات حول ضرورة إعادة تقييم التاريخ الأدبي من منظور نسوي، كلها مؤشرات على تحول إيجابي.

التحدي الأكبر يبقى في تغيير العقلية المجتمعية التي ترى في الكتابة النسائية “أدباً من الدرجة الثانية”. وهذا يتطلب جهداً مشتركاً من المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية لإعادة تقييم الإنتاج الأدبي بناءً على جودته الفنية فقط، بغض النظر عن جنس كاتبه.

الكاتبات السوريات لا يطلبن محاباة أو امتيازات، بل يطالبنَ بمساحة عادلة في المشهد الثقافي. يطالبنَ بأن يُقرأ أدبهنّ بمعايير نقدية موضوعية، وأن يُمنحنَ الفرصة للمشاركة في صناعة القرار الثقافي، وأن يحصلنَ على التقدير الذي يستحقينه.

في النهاية، فإن إغفال نصف الطاقة الإبداعية في المجتمع يعني إفقاراً للثقافة الوطنية كلها. والاعتراف بالكاتبات السوريات ليس منةً أو تفضلاً، بل هو استحقاق لأصوات كنّ ولا يزلنَ يثرين المشهد الأدبي السوري بإبداعات استثنائية تستحق أن تُسمع.

- Advertisement -

- Advertisement -