دمشق/ مرجانة إسماعيل
مع شروق الشمس في دمشق، تبدأ الحدائق العامة، مثل حديقة تشرين وحديقة الأمويين، باستقبال مجموعة من كبار السن الذين اعتادوا على ممارسة الرياضة الصباحية. بين الأشجار الظليلة والمسارات المرصوفة، يتجمع هؤلاء المتقاعدون، لا فقط لممارسة تمارينهم، بل أيضاً لتكوين صداقات جديدة وكسر شعور الوحدة الذي يرافق الكثيرين بعد انتهاء مسيرة العمل الطويلة.
“لطالما كانت رياضتي المفضلة هي المشي والتمارين الخفيفة في الهواء الطلق”، تقول نجوى حجار، 62 عاماً، وهي متقاعدة من التدريس في إحدى المدارس الابتدائية بدمشق. نجوى تحافظ على روتينها الصباحي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وتضيف: “لقد ساعدتني الرياضة على التخلص من التوتر اليومي وإعادة نشاطي بعد التقاعد، كما تعرفت على مجموعة من الأصدقاء الذين أصبحوا جزءاً من حياتي اليومية”. بالنسبة لها، لم تعد الرياضة مجرد نشاط بدني، بل وسيلة للتواصل الاجتماعي وتحسين المزاج بعد سنوات من الانشغال بالعمل والأسرة.
أما سامر عواد، موظف متقاعد سابق من وزارة النقل، فقد وجد في هذه التجمعات اليومية متنفساً حقيقياً ضد شعور الفراغ والوحدة الذي بدأ يرافقه منذ بلوغه سن التقاعد. يقول سامر: “كان من الصعب التكيف مع الحياة بعد انتهاء العمل، فقد كنت أستيقظ كل يوم وأشعر بأن الوقت يمر دون فائدة. لكن مع الانضمام لمجموعة الرياضة في الحديقة، تغير كل شيء، صرت أتحرك، أشارك الآخرين، وأشعر بأن لي دوراً حتى بعد انتهاء فترة العمل الرسمية”.
في كل صباح، تتشكل جماعات صغيرة من المتقاعدين، يقومون بمزيج من تمارين الإحماء، المشي السريع، وتمارين التوازن البسيطة، بينما يستمعون إلى الموسيقى الهادئة أحياناً، ويشجع بعضهم بعضاً على الاستمرار. هذه الروتينات الصباحية، كما يؤكد البعض، تمنحهم شعوراً بالانتماء والحيوية، وتعيد لروحهم الشابة الذي يشعرون أحياناً بفقدانها بعد التقاعد.
تشارك هذه اللقاءات فوائد صحية مهمة، وفقاً للطبيب خالد نصري، أخصائي الطب الباطني في دمشق: “الرياضة بعد سن الخمسين ليست رفاهية، بل ضرورة. فهي تساعد على خفض الكوليسترول الضار، تحسين الدورة الدموية، والمحافظة على صحة المفاصل والعضلات، كما تلعب دوراً كبيراً في الوقاية من الاكتئاب وتقليل الشعور بالوحدة”. ويضيف نصري أن ممارسة الرياضة في الهواء الطلق أفضل من النوادي المغلقة، لأنها توفر الأوكسجين النقي، وتمنح الجسم مساحة للتحرك بحرية، بينما توفر الحدائق أيضاً فرصة للتواصل الاجتماعي الذي له أثر كبير على الصحة النفسية.
ورغم قلة المرافق الرياضية المجانية في دمشق، يصر المتقاعدون على الالتقاء يومياً، مستفيدين من الحدائق المفتوحة والأماكن العامة، حيث تمكنوا من إنشاء ما يشبه ناديًا مفتوحًا يلتقي فيه جميع الراغبين في النشاط البدني، بدون اشتراكات أو تكاليف باهظة. بالنسبة لهم، أهمية هذه المساحات تكمن في الجمع بين النشاط البدني والتواصل الاجتماعي، وكسر الروتين اليومي الذي قد يؤدي إلى شعور بالإحباط أو الاكتئاب.
وتضيف نجوى: “هناك شيء رائع في مشاركة الصباح مع الآخرين، نتبادل الأحاديث، نضحك، ونتعلم أشياء جديدة عن بعضنا البعض. الرياضة هنا لم تكن مجرد مشي أو تمارين، بل فرصة لإعادة اكتشاف معنى الحياة بعد التقاعد”.
من جهة أخرى، تؤكد بعض المصادر في محافظة دمشق أن هناك خططاً لتطوير الحدائق العامة وتوسيع المساحات المخصصة للنشاطات الرياضية في الأحياء، خاصة للمتقاعدين وكبار السن، مع تزويدها بأجهزة ومعدات بسيطة تساعد على ممارسة التمارين اليومية، في إطار برنامج يشجع على الصحة والرفاهية.
هذا الاهتمام المتزايد بالرياضة في الهواء الطلق يعكس وعياً متنامياً لدى المسؤولين بأهمية توفير فرص لممارسة النشاط البدني لكبار السن، ليس فقط للحفاظ على صحتهم الجسدية، بل لتعزيز الروابط الاجتماعية ومواجهة آثار الوحدة والاكتئاب بعد التقاعد.
وتبدو الرياضة الصباحية في دمشق أكثر من مجرد تمارين بدنية؛ إنها نافذة للتواصل، وساحة لبناء صداقات جديدة، ومساحة للشفاء النفسي. المتقاعدون هنا يجدون في الحدائق مكاناً يعيد لهم إحساسهم بالقيمة والأهمية في المجتمع، بعيدًا عن ضغوط العمل وأسوار الروتين اليومي، ليصبحوا مثالاً حياً على أن العمر مجرد رقم، وأن النشاط الاجتماعي والجسدي هو مفتاح الصحة والسعادة حتى في سنوات ما بعد التقاعد.