في سابقة نادرة في تاريخ فرنسا، أفرجت محكمة الاستئناف في باريس عن الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي بصفة مؤقتة بعد أقل من ثلاثة أسابيع قضاها في السجن.
ولم يكن مشهد دخول ساركوزي إلى السجن حدثاً عادياً في تاريخ فرنسا السياسي، فالرجل الذي قاد البلاد بين عامي 2007 و2012وجد نفسه داخل جدران سجن “لا سانتي” في باريس لقضاء عقوبة مدتها خمس سنوات بعد إدانته بالحصول على تمويل ليبي خلال حملته الانتخابية.
وفي الوقت الذي رحب فيه جزء من الرأي العام في فرنسا بسجن ساركوزي باعتباره انتصاراً للمساواة أمام القانون، تعالت أصوات أخرى لتتساءل عما إذا كان الرئيس الأسبق يعيش تجربة السجن كغيره من السجناء، حيث خصصت له زنزانة انفرادية مجهزة بتلفاز وخط هاتف خاضع للمراقبة، فضلا عن إجراءات أمنية غير اعتيادية، حيث حظي بحماية خاصة “بهدف حمايته في حال وقوع أعمال شغب أو هجمات إرهابية”، وفقا لصحيفة لوباريزيان الفرنسية.
وبررت المتحدثة الرسمية باسم الحكومة الفرنسية الحماية الخاصة بالقول “إن ذلك يأتي نظراً لحاجة السجين لظروف احتجاز خاصة”.
وقد أثارت هذه المعاملة الاستثنائية جدلاً واسعاً بين نقابات السجون التي رأت فيها تمييزاً يخِل بمبدأ المساواة أمام القانون.
شروط الإفراج
أصدرت محكمة استئناف باريس قرارها بالإفراج عن ساركوزي شريطة بقائه تحت إشراف قضائي حازم، ومن بين شروط الإفراج، منعه من مغادرة الأراضي الفرنسية، ومن التواصل مع أي طرف من أطراف الملف، ولا سيما مع مساعديه أو الشهود أو أفراد من وزارة العدل.
وبما أن المادة 144 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسية، تنص على أنه لا يجوز استمرار الاحتجاز إلّا إذا كان “الوسيلة الوحيدة لحماية الأدلة، أو منع الضغوط على الشهود أو الضحايا، أو منع التواطؤ الاحتيالي، أو منع الفرار أو العودة إلى الإجرام، أو حماية المتهم وضمان استمرار وجوده أمام العدالة”، رأت المحكمة أن “السجين السابق لا يشكل خطر فرار يستوجب بقاءه في الحجز”، مما دفعها إلى إصدار أمر بالإفراج عنه تلبية لطلب النيابة العامة، وإخضاعه للرقابة القضائية، بانتظار قرارها النهائي.
وأوضحت أوساط قضائية أن القرار جاء نتيجة مراجعة دقيقة لطلب فريق الدفاع، مما جعل القضاة يعتبرون أن بقاءه خلف القضبان لم يعد ضرورياً في هذه المرحلة.
تداعيات الإفراج
تسبب سجن ساركوزي بتجاذبات سياسية حادة في فرنسا، حيث رأى أنصاره أنه ضحية “استهداف سياسي”، بيمنا اعتبر خصومه أن إطلاق سراحه “تساهل غير مسبوق مع شخصية بارزة”.
كما أثار إطلاق سراحه جدلاً واسعاً حول استقلال القضاء الفرنسي والتمييز الذي يحدث عندما يمثل رئيس سابق للجمهورية أمام القانون.
وأشاد اليمين باحترام القضاء لمبدأ افتراض البراءة، واعتبر رئيس التجمع الوطني اليميني المتطرف جوردان بارديلا أن “ان سجنه المؤقت غير مبرر، وأن وراء ذلك رغبة في إذلال نيكولا ساركوزي، وأن إطلاق سراحه أظهر أنه لا يستوفي أيا من المعايير التي تفضي إلى أمر احتجاز مؤجل”.
وردّ حزب فرنسا الأبية اليساري الراديكالي بسخرية على ذلك عن طريق النائبة اليسارية مانون أوبري التي قالت “لحسن الحظ أن ساركوزي لم يفز بالانتخابات عام 2012، وإلّا لما كان ليخرج من السجن بما كان يقترحه”، في إشارة إلى وعد حملة ساركوزي الانتخابية بتشديد القانون بحيث “لا يمكن منح السجناء الإفراج المشروط إلّا بعد قضاء ثلثي مدة عقوبتهم على الأقل”.
وكانت محكمة الاستئناف في باريس تدرك مسبقا أنها ستواجه الكثير من الانتقادات عند البت في طلب الإفراج عنه، فإذا قررت إبقاءه رهن الاحتجاز، سيستمر أنصاره في الانتقاد والاحتجاج، ولو اختارت وضعه تحت المراقبة القضائية بناء على طلب النيابة العامة، سيرى قطاع كبير من الجمهور الفرنسي في ذلك معاملة تفضيلية لمسؤول سابق، وسيشكك في استقلال ونزاهة القضاء الفرنسي.