الرقة/ أحلام عبد الجبار
في ظل ارتفاع الأسعار والضائقة الاقتصادية التي تمر بها كافة الجغرافية السورية تلجئ معظم النساء على إعالة أنفسهن من خلال الأعمال المنزلية، فتعمل العديد من النساء في مدينة الرقة على تحضير المؤونة بداية كل فصل شتاء، لتحافظ من خلاله على اقتصادها.
تتضمن المؤون الشتوية مجموعة متنوعة من المواد الغذائية، مثل المُربيات، ودبس البندورة، ودبس الفليفلة، والباميا، وورق العنب، والمخللات، بالإضافة إلى الجبن، والبرغل، والعدس، والزيتون، والمكدوس، والملوخية والباذنجان المجفف، وغيرها الكثير من الأصناف التي تفننت بصنعها ربات البيوت على مدار فصل الصيف.
ولكن خلال السنوات الماضية؛ تغيّرت الظروف بشكلٍ كبير، حيث أصبحت القدرة على تجهيز المؤونة الشتوية تتلاشى شيئاً فشيئاً بسبب الارتفاع الكبير في الأسعار، والتدهور المستمر في قيمة الليرة السوريّة مقابل الدولار الأمريكي وهذه التحديات الاقتصادية أثقلت كاهل الأسر، مما جعل الكثيرون يضطرون إلى التخلي عن تحضير المؤونة، أو تقليل الكميات والاستغناء عن الكثير من الأصناف، والتي كانت تُسابقاً جزءاً لا يتجزأ من ثقافتهم وتقاليدهم.
ومع اقتراب فصل الشتاء، يجد سكان المنطقة أنفسهم غير قادرين على تجهيز الكميات التي تكفيهم من المؤونة في شهري (آب وأيلول) كما اعتادوا، نتيجة لارتفاع أسعار الخضار والمواد الأساسية، حيث إن هذان الشهران من أصعب الشهور للعوائل، لتزامنها مع بدء العام الدراسي وحاجة الأُسر لتجهيز المؤونة، مما يضع ضغوطاً مالية كبيرة على أصحاب الدخل المحدود.
أم إبراهيم؛ ربّة منزل لعائلة مؤلفة من ست بنات تحدثت لصحيفتنا “السوري” عن التغيرات التي طرأت على تقاليد تحضير المؤونة: “في السابق، كنت أعمل لمدة شهرين كاملين في إعداد المؤونة بمساعدة بناتي وجيراني، حيث كان العمل الجماعي يُمثل جزءاً من الروابط للعمل الجماعي بين النساء في المنطقة، إلا أن هذا العام، وبسبب الارتفاع الكبير في أسعار الخضروات، لم أتمكن إلا من تحضير 10 كيلوغراماً من الباذنجان المجفف، و30 كيلوغرامات من الملوخية المجففة، متخليةً عن إعداد باقي أصناف المونة، لارتفاع أسعار إعدادها”.
المكدوس يغيب عن المؤونة الشتوية
أشارت أم إبراهيم إلى أن سعر تحضير المكدوس غالي، ولا يمكن للناس صنعها الخضروات غالية، ففي السابق كانت تعدُّ العديد من المؤن الشتوية، من مكدوس ودبس البندورة وفليفلة، ولكنها استغنت عنها بسبب ارتفاع سعر الخضار: “إن أربع كيلوات من المكدوس 150ألف ليرة سوريّة، ويمكن شراء 800 غرام منه لسد احتياجات الأسرة، وكذلك الأمر لدبس الفليفلة والمخللات”.
وعن الكمية التي كانت تَعُدها أم إبراهيم كل سنة من المكدوس، بينت لنا أنها كل سنة تحضر 50 كليو من المكدوس، وزادت: “هذا العام لم أستطِع إعدادها كما العام الماضي، فسعرالزيت ودبس الفليفلة والبذنجان غالي جداً، ولذلك استغنيت عنها.
كما أشارت أم إبراهيم أن أسعار الخضروات ارتفعت في الآونة الأخيرة مع تزامن أعداد المؤونة، حيث تجاوز سعر كيلو البذنجان عشرة ألاف ليرة سوريّة قبل فترة من الزمن، ومع انخفاضها ما زال سعرها غير مقبول: “لقد انخفضت أسعار بعض الخضراوات، إلا أن الأسعار لم تكن مناسبة لإعداد المونة، حيث وصل سعر البندورة إلى 10 ألف ليرة، والخيار إلى ثمانية آلاف ليرة، بينما بلغ سعر الباميا 22 ألف ليرة سوريّة، وكلها أسعار لا تساعد على صنع المؤونة”.
وأوضحت ام إبراهيم أن ارتفاع تكاليف المواد اللازمة لتحضير المجففات والمربيات والمكدوس، دفع الكثيرون إلى التخلي عن إعدادها، وأضافت: “إن تدهور مستوى الأجور جعل العديد من العائلات غير قادرة على تأمين احتياجات يومها، مما دفعهم إلى التركيز فقط على شراء الضروريات.”
وقد أعدت أم إبراهيم المخللات لرخص أسعارها فكيلو الفليفلة بثمانية آلاف وهي ليست مناسبة ولكنها تعد كمية كبيرة من المخلل، منوهةً في خِتام حديثها إلى أن هذا الوضع جعل من الصعب على المواطنين تأمين متطلباتهم الأساسية، مما أثّر بشكلٍ كبير على تقاليد تحضير المونة التي كانت جزءاً من نمط الحياة في المنطقة.