لكل السوريين

تحاليل مأجورة وأجهزة معطلة… أعباء إضافية ترهق مرضى درعا

درعا/ رجاء مختار

في قلب محافظة درعا، حيث تتداعى جدران المباني تحت وطأة سنوات من الحرب والحصار، يقف مشفى درعا الوطني شاهداً على معاناة أخرى لا تقل قسوة، معاناة يومية يعيشها المرضى والكادر الطبي على حد سواء.

في درعا أحد أكثر الأماكن التي من المفترض أن تشع بالإنسانية والأمل، تتحول الرحلة من أجل الحصول على تحليل طبي بسيط إلى كابوس حقيقي، كابوس من الانتظار الطويل، والإهمال، والضياع، ومواجهة قاسية مع واقع يبدو أن الجميع قد تخلى عنه.

التفاصيل لا تحتاج إلى كثير من التخيل، فهي مروية بشهادات مراجعين أنهكهم المرض ثم أنهكهم انتظار العلاج. أحدهم، أبو وائل، رجل في الخمسين من عمره، يعاني من آلام في البطن، توجه إلى المشفى منذ ساعات الصباح الأولى بعد أن تيقن أن الألم لا يحتمل.

يقول أبو وائل: “وصلت السابعة صباحاً، وسحبت العينة بعد ساعة من الانتظار. ثم بدأت رحلة الانتظار الحقيقية. أربع ساعات كاملة وأنا أجول في الممرات، أسأل عن نتيجتي، كل مرة يُطلب مني الانتظار أكثر. لم أعد أعرف هل الألم الذي أشعر به هو من مرضي، أم من الإعياء والجوع والوقوف”.

قصة الرجل ليست استثناء، بل هي القاعدة في مخبر أصبح عنواناً للعشوائية والتأخير غير المبرر، حيث تتراكم التقارير الطبية غير المكتملة، وتتراجع الحالة الصحية للمرضى مع كل دقيقة تمر.

لكن الانتظار الطويل هو فقط قمة جبل الجليد. المشكلة الأعمق تكمن في “التحاليل المأجورة” كما يصفها المخبرون، والتي يفترض أن تكون مجانية أو شبه مجانية في مشفى حكومي، خاصة في ظل الأزمة المعيشية الخانقة التي يعيشها الناس.

المواطن الذي بالكاد يستطيع تأمين ثمن الدواء، يُفاجأ بأن عليه دفع مبالغ إضافية مقابل تحاليل كان يعتقد أنها ضمن الخدمة الأساسية. ثم، وبضربة قاضية، يُخبر بأن الجهاز المعطل يضطره للذهاب إلى مخبر خاص، حيث التكلفة قد تصل إلى أضعاف المبلغ الذي دفعه في المشفى.

هنا يجد المريض نفسه في مفترق طرق لا تحسد عليه: إما أن يدفع ما لا يملكه، أو أن يعود إلى بيته حاملاً مرضه وألمه، دون تشخيص أو علاج.

القصة الأكثر إيلاماً هي تلك التي رواها أحد المرضى، حيث اضطر إلى إعادة سحب الدم مرتين بسبب “ضياع” العينة الأولى. يتذكر الرجل، الذي فضل عدم ذكر اسمه، تلك اللحظة بمزيج من الغضب والإحباط: “بعد انتظار طويل، تم سحب الدم، وتم تسليمي العينة في أنبوب بلاستيكي صغير وورقة التحويل. طلبوا مني أن أذهب إلى المحاسبة لأدفع الرسوم، ثم أعود بالعينة والإيصال. فعلت ذلك بالضبط. ولكن عندما عدت، نظرت الممرضة إلى العينة وقالت إنها لا تكفي، أو أن هناك خطأ ما. بعد ساعة من الجدال، قالوا لي ببرود: العينة الأولى ضاعت.

يتابع: لم يعتذر أحد. لم يتحمل أحد المسؤولية. فقط طلبوا مني أن أعيد الكرة مرة أخرى”. هذه الحادثة ليست هامشية، بل هي تعكس ثقافة الإفلات من المحاسبة وسوء الإدارة التي تضرب بعمق في نظام العمل داخل المخبر.

الآلية البدائية التي يُدار بها العمل تزيد الطين بلة. فبدلاً من وجود نظام متكامل لنقل العينات وتتبعها، يتم تحميل المريض نفسه مسؤولية حمل عينته الدمية من غرفة السحب إلى المحاسبة ثم إلى المخبر، وكأنه عامل توصيل في نظام لا يعترف بأبسط معايير السلامة الطبية أو الكفاءة الإدارية.

هذه الطريقة لا تعرض العينات للتلوث أو الضياع فحسب، بل تهين كرامة المريض الذي يأتي وهو في أضعف حالاته الصحية، ويُجبر على الركض في الممرات لحل إشكاليات كان من المفترض أن تكون من مسؤولية المؤسسة الصحية.

وراء هذه الصورة القاتمة، يقف كادر طبي محاصر بين مطرقة معاناة المرضى وسندان الإهمال الرسمي وتقادم الأجهزة. ممرضة عاملة في المخبر، ترفض ذكر اسمها خوفاً من عواقب، تقول: “نحن نعمل تحت ضغط هائل. الأجهزة الأساسية معطلة منذ أشهر، بل سنوات.

وتضيف أن الجهاز المركزي للتحاليل الكيميائية لا يعمل، وجهاز تعداد الدم يعمل بشكل متقطع. نحن نضطر يومياً إلى إرجاع المرضى إلى المخابر الخاصة لأننا ببساطة لا نستطيع خدمتهم. نشعر بالعجز والخجل، ولكن من يسمعنا؟”. كلماتها تكشف الجانب الآخر من المأساة: أن المنظومة كلها مريضة، والطاقم الطبي، رغم إخلاص بعضه، يعاني من انهيار معنوي ومهني في بيئة لا توفر أدنى مقومات العمل اللائق.

يبقى المواطن هو الطرف الأضعف في هذه المعادلة، هو من يدفع الثمن من صحته، من وقته، من قوته اليومي، ومن كرامته. في مشفى درعا الوطني، لم يعد المرض هو العدو الوحيد للمواطن، بل أصبح النظام نفسه جزءاً من المرض، نظامٌ ينتج المعاناة بدلاً أن يخففها، ويضيف ألماً جديداً إلى آلام الناس. في زمن كان يفترض أن يكون الطب فيه شفاء، أصبحت زيارة المخبر اختباراً للصبر والإرادة، ودرساً قاسياً في كيف يمكن للإهمال أن يحول مكاناً مقدساً مثل المشفى إلى جزء من الجرح، بدلاً أن يكون ملاذاً منه.

- Advertisement -

- Advertisement -