لكل السوريين

العاصي يفيض… أمطار وفيرة تعيد آمال مزارعي حماة وريفها بموسم خير

حماة/ جمانة الخالد

مع كل شتاء يحمل معه غيوماً ثقيلة فوق مدينة حماة وريفها، تتجدد آمال المزارعين بفيضٍ منتظر لنهر العاصي، ذلك النهر الذي لم يكن يوماً مجرد مجرى مائي، بل شريان حياة ارتبط اسمه بالمواسم والقمح والخضار والذكريات. هذا العام، جاءت الهطولات المطرية أكثر وفرة من السنوات الماضية، فأعادت إلى القلوب أحاديث قديمة عن فيضان العاصي، وعن خيرٍ طال انتظاره بعد مواسم قاسية أنهكها الجفاف وارتفاع التكاليف.

على ضفة النهر في حماة، يقف أبو عارف، مزارع ستيني، يراقب ارتفاع منسوب المياه بعين خبيرة. يقول إن لون الماء وكثافته يذكرانه بسنوات الخير، حين كان العاصي يفيض فيغمر الأراضي القريبة دون حاجة لمضخات أو وقود. يضيف أن المطر هذا العام “غسل الأرض” وأعاد إليها رائحتها، وأن فيضان النهر، إن حصل، سيخفف عنهم عبئاً كبيراً في ري الأراضي، خاصة مع ارتفاع تكاليف الطاقة.

في ريف حماة الشمالي، حيث تمتد الأراضي الزراعية على مساحات واسعة، تبدو الفرحة أكثر وضوحاً. أم فهد، التي تعمل مع زوجها في زراعة الخضار الموسمية، تقول إن المطر الغزير غيّر نفسية العائلة بالكامل. تشرح أن السنوات الماضية كانت مليئة بالخوف من نقص المياه، وأن كل موسم كان يبدأ بالقلق وينتهي بالخسارة الجزئية. اليوم، ومع امتلاء السواقي وارتفاع منسوب الآبار، تشعر بأن الأرض “تنفست”. تضيف أن فيضان العاصي سيمنح التربة رطوبة طبيعية، لا يمكن لأي وسيلة ري صناعية تعويضها.

في سهل الغاب، حيث يعتمد آلاف المزارعين على مياه النهر بشكل مباشر، تُروى قصص مشابهة. أبو نزار، مزارع قمح، يقول إن الأمطار الوفيرة هذا العام اختصرت عليه مراحل ري كاملة. يوضح أن الأرض شربت جيداً، وأن المحصول يبدو أقوى وأكثر تجانسًا. لكن الأمل الأكبر، بحسب قوله، هو في فيضان العاصي، لأن المياه الفائضة تترك طبقة طمي غنية تغذي التربة وتزيد من خصوبتها، وهو أمر اعتاد عليه كبار السن ويتحدثون عنه كسر من أسرار جودة المحاصيل القديمة.

في القرى القريبة من مجرى النهر، عاد الأهالي لمراقبة الجسور الصغيرة والسدّات الترابية، ليس خوفًا هذه المرة، بل بترقب يحمل شيئًا من الفرح. خالد، شاب في الثلاثين من عمره، يقول إن حديث الناس في المقاهي لم يعد عن شح المياه، بل عن احتمال الفيضان، وعن الأراضي التي ستُروى مجانًا. يضيف أن والده، الذي عاش مواسم فيضانات سابقة، يؤكد دائماً أن “العاصي إذا فاض، عمّ الخير”.

لكن هذه الآمال لا تخلو من حذر. فبعض المزارعين يتذكرون فيضانات سببت أضراراً للمنازل القريبة من النهر. أبو حسين، من ريف حماة الغربي، يقول إن الفيضان نعمة إذا بقي ضمن حدود الأراضي الزراعية، لكنه قد يتحول إلى مشكلة إذا تجاوزها. رغم ذلك، يؤكد أن الحاجة للمياه هذا العام أكبر من الخوف، خاصة بعد سنوات من الاعتماد على مصادر مكلفة وغير مستقرة.

الخبراء الزراعيون يرون أن الهطولات المطرية الغزيرة هذا الموسم ستنعكس إيجاباً على مختلف المحاصيل، سواء حصل الفيضان أم لا. لكنهم يشيرون إلى أن فيضان العاصي، إن كان مدروساً وغير مدمر، يمكن أن يشكل دفعة كبيرة للزراعة، عبر تغذية المياه الجوفية وتقليل الضغط على الآبار. هذا الحديث يتردد بين المزارعين، حتى أولئك الذين لا يملكون أراضي قريبة من النهر، لأن تحسن الوضع المائي ينعكس على الجميع.

في الأسواق الزراعية بحماة، بدأ التفاؤل يظهر بشكل خجول. بعض المزارعين يتحدثون عن توسيع المساحات المزروعة، وآخرون يفكرون بزراعات كانوا قد تخلوا عنها بسبب نقص المياه. يقول أبو لؤي، تاجر محاصيل، إن المزاج العام تغيّر، وإن الناس أصبحت تتحدث عن الموسم القادم بثقة أكبر، وكأن المطر أعاد إليهم القدرة على التخطيط.

ومع استمرار الهطولات، يبقى نهر العاصي تحت أنظار الجميع، ليس فقط كنهر يمر في قلب المدينة، بل كرمز للأمل الزراعي. بين ضفتيه، تتقاطع أحلام المزارعين بوفرة المياه، وتخفيف التكاليف، وموسم يعوض بعضاً من الخسائر الماضية. وفي حماة وريفها، حيث ترتبط الأرض بالمطر والنهر ارتباطاً مصيرياً، يبدو أن فيضان العاصي، إن تحقق، لن يكون مجرد حدث طبيعي، بل وعداً بحياة أكثر استقراراً، ولو لموسم واحد.

- Advertisement -

- Advertisement -