الاستملاك يعود إلى الواجهة في ريف دمشق.. أراضٍ بين قرارات قديمة ومشاريع استثمارية جديدة فمن يحسم حقوق المالكين؟
لم يعد ملف الاستملاك في دمشق وريفها مجرد قضية عقارية مؤجلة في سجلات المؤسسات، بل عاد خلال الأسابيع الأخيرة إلى الشارع، مع تصاعد تحركات أصحاب الأراضي في قدسيا والبجاع والصبورة ودمر وجديدة الوادي، واحتجاجات تطالب بمراجعة قرارات استملاك تعود إلى مراحل سابقة، والكشف عن مصير ملكيات يقول أصحابها إنها بقيت معلقة لسنوات، بينما بدأت مشاريع عمرانية واستثمارية جديدة بالظهور على أجزاء من المناطق ذاتها.
وفي أحدث تحرك، شهدت ضاحية قدسيا ومنطقة جديدة الوادي في 26 أيلول/سبتمبر احتجاجات شعبية رفضاً لملف الاستملاك، ورفع المشاركون شعارات تطالب بإعادة النظر في القرارات السابقة وحماية ملكيات الأهالي، فيما امتد التحرك إلى مشروعَي «شام فيو» و«أبيات هيلز»، وسط مطالب بوقف العمل على العقارات محل النزاع إلى حين حسم وضعها القانوني.
من احتجاج أمام مجلس الشعب إلى اعتراض على مشاريع استثمارية
التحرك الحالي ليس الأول من نوعه خلال العام الجاري. ففي 28 آب/أغسطس، نظم أهالٍ ومالكون وفلاحون من البجاع والصبورة وقدسيا ومناطق أخرى وقفة أمام مجلس الشعب في دمشق، مطالبين بمراجعة قوانين الاستملاك والإيجار القديم ومعالجة آثارها على الملكيات الخاصة. وبرز المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 1983، الناظم للاستـملاك، كأحد أبرز القوانين التي يطالب المتضررون بإعادة النظر فيها.
وبعد أيام، اجتمع ممثلون عن أصحاب الأراضي المستملكة في قدسيا والبجاع ومناطق واسعة من ريف دمشق مع عدد من أعضاء مجلس الشعب، مطالبين بإلغاء مراسيم الاستملاك وإعادة الأراضي إلى أصحابها، قبل أن تتبع ذلك لقاءات أخرى ووعود بمتابعة الملف ودراسة الخيارات القانونية الممكنة.
لكن القضية أخذت بعداً جديداً مع دخول مشاريع عقارية واستثمارية ضخمة إلى المناطق التي يثير أصحابها بشأنها اعتراضات على الملكية والاستملاك.
فمشروع «أبيات هيلز»، الذي أطلق في ضاحية قدسيا بالشراكة بين شركة «أبيات» السعودية والمؤسسة العامة للإسكان، تبلغ مساحته نحو 379 ألف متر مربع ويضم أكثر من ألفي وحدة سكنية، بينما يمتد مشروع «شام فيو» بين ضاحية قدسيا ومشروع دمر على مساحة 178 هكتاراً، ويضم في مخططه أكثر من عشرة آلاف وحدة عقارية، بينها نحو 7500 وحدة سكنية وأكثر من ألفي وحدة تجارية وفندقية.
وهنا تبرز العقدة الأساسية التي دفعت الملف مجدداً إلى الواجهة: هل يمكن الانتقال من استملاك قديم محل اعتراض إلى استثمار عقاري جديد قبل حسم حقوق أصحاب الملكيات ووضع العقارات بصورة واضحة؟
قانون قديم.. وأسئلة جديدة
ينص المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 1983 على جواز استملاك العقارات لتنفيذ مشاريع ذات نفع عام، كما يحدد إجراءات إعلان الاستملاك وتسجيل إشاراته في الصحائف العقارية وآليات تقدير التعويضات وتسديدها. ويحدد القانون كذلك حالات يمكن فيها وضع اليد على بعض العقارات، وفق شروط وإجراءات محددة.
وتكمن أهمية هذه التفاصيل في أن الاستملاك، من الناحية القانونية، ليس مجرد تسجيل إشارة على عقار ثم ترك الملف مفتوحاً إلى أجل غير محدد، بل يرتبط بمشروع وغاية وإجراءات وتعويضات ونقل قانوني للملكية.
ويشير نص القانون إلى أن القيم المستحقة لأصحاب الحقوق يجري تسديدها أو إيداعها لمصلحتهم خلال خمس سنوات من تاريخ مرسوم الاستملاك، كما أن وضع اليد يرتبط باكتساب التقدير الدرجة القطعية وفق الحالات التي حددها القانون.
وفي المقابل، يتضمن القانون أحكاماً تتعلق بالعقارات التي تزول عنها صفة النفع العام، بما يفتح باباً قانونياً مهماً حول مصير العقارات التي لم تعد تستخدم للغاية التي استُملكت من أجلها، أو تلك التي لم ينفذ عليها المشروع أصلاً.
ألكسلا لو للتقانون
وهذا تحديداً أحد الملفات التي تحتاج إلى تدقيق رسمي في ريف دمشق: كم عقاراً جرى استملاكه ولم ينفذ المشروع المخصص له؟ وكم عقاراً تغيرت الغاية التي استُملك من أجلها؟ وكم مالكاً لم يحصل على حقوقه أو ما يزال يعترض على التعويض أو على استمرار وضع اليد؟
الحكومة نفسها فتحت الملف.. فما الذي تغير؟
المفارقة أن معالجة الاستملاكات القديمة لم تكن غائبة عن المؤسسات الحكومية بعد سقوط النظام السابق.
ففي آذار/مارس 2025، أعلنت محافظة ريف دمشق تشكيل لجنة لدراسة واقع الاستملاكات، وفتحت باب استقبال الشكاوى من المتضررين الذين لم تُنفذ المشاريع الاستملاكية على عقاراتهم، مع طلب تقديم الوثائق الثبوتية والقيد العقاري الحديث. وكان الإعلان صريحاً في ربط معالجة الملف بالعقارات التي لم ينفذ عليها المشروع الاستملاكي.
الذاكرة السورية
كما تظهر بيانات المحافظة أن لجنة الاستملاك عادت في كانون الثاني/يناير 2026 لاستعراض الخطوات التي أُنجزت في إطار متابعة الملفات والحفاظ على حقوق المواطنين.
لكن استمرار الاحتجاجات بعد أكثر من عام على فتح باب الشكاوى يطرح سؤالاً لا يمكن تجاوزه: هل وصلت هذه الإجراءات إلى نتائج ملموسة بالنسبة لأصحاب العقارات، أم أن آلاف الملفات ما زالت تنتظر الحسم؟
ولا تتوفر، في البيانات الرسمية المنشورة التي أمكن الوصول إليها، أرقام تفصيلية حديثة توضح عدد الملفات التي درستها اللجنة، وعدد الاستملاكات التي أُلغيت أو رُفعت إشاراتها، وعدد العقارات التي أعيدت إلى أصحابها، أو عدد الملفات التي ما تزال قيد الدراسة.
بين «النفع العام» والاستثمار الخاص
المشكلة الأكثر حساسية تظهر عندما تنتقل الأرض المستملكة من غاية عامة إلى مشروع تطوير عقاري تشارك فيه شركات خاصة.
فالحكومة تقدم مشاريع «شام فيو» و«أبيات هيلز» ضمن خطة للتوسع العمراني وتوفير مساكن جديدة وتشجيع الاستثمار. وقد أعلنت المؤسسة العامة للإسكان أن «شام فيو» يمثل مشروعاً عمرانياً كبيراً يجمع الاستخدامات السكنية والتجارية والخدمية، فيما أعلنت عن «أبيات هيلز» كمشروع سكني يضم أكثر من ألفي وحدة.
لكن أصحاب الأراضي لا يناقشون فقط جدوى المشاريع أو حجم الاستثمار، بل يطرحون سؤالاً مختلفاً يتعلق بأصل الأرض نفسها: من يملكها قانونياً اليوم؟ وهل اكتملت إجراءات نقل الملكية؟ وهل سُددت التعويضات؟ وهل ما تزال بعض العقارات تحمل نزاعات أو اعتراضات؟ وهل العقارات التي استُملكت في السابق استُخدمت للغرض الذي صدر من أجله الاستملاك، أم تغيرت الغاية لاحقاً؟
«وضع اليد».. الحلقة الأكثر غموضاً
لا يتوقف النزاع عند الاستملاك الرسمي. فهناك ملف آخر يتعلق بالأراضي التي تصفها جهات محلية بأنها «موضوعة تحت اليد»، أي العقارات التي تسيطر عليها أو تتصرف بها جهات مختلفة بينما يطالب أصحابها الأصليون بحقوقهم.
وهنا تصبح الحاجة إلى الشفافية أكبر، لأن المستثمر نفسه يحتاج إلى معرفة أن الأرض التي سيبني عليها مشروعاً ضخماً لا تحمل نزاعاً ملكياً مستقبلياً.
وقد أطلقت هيئة الاستثمار السورية في أيلول/سبتمبر 2026 نظاماً لمزاولة الاستثمار العقاري قالت إنه يستهدف تبسيط الإجراءات وتعزيز الوضوح وتسريع انتقال المشاريع من الترخيص إلى التنفيذ.
لكن تسريع الاستثمار لا يمكن فصله عن تدقيق الملكية. فكلما ارتفعت قيمة المشروع واتسعت مساحته، أصبحت أي ثغرة في أصل الملكية أكثر كلفة على الدولة والمالك والمستثمر معاً.
حق الملكية أمام اختبار العدالة الانتقالية
ملف العقارات في سوريا لم يعد قضية إدارية فقط. ففي نيسان/أبريل 2026، بحثت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مع فريق أممي متخصص ملف حقوق الملكية والسكن والأراضي، بما في ذلك حالات الاستيلاء على الممتلكات وفقدان وثائق الملكية والتعقيدات القانونية الناتجة عن سنوات الحرب والتهجير.
وهذا يعني أن معالجة ملف الاستملاك لا يمكن أن تنفصل عن سؤال أكبر: كيف ستتعامل سوريا الجديدة مع الإرث العقاري المتراكم من عقود سابقة، خصوصاً عندما تتقاطع الملكية الخاصة مع مشاريع الدولة والاستثمار الخاص وإعادة الإعمار؟
ماذا يحتاج الملف اليوم؟
المطلوب لا يبدو في فتح مواجهة بين أصحاب الأراضي والمستثمرين، بقدر ما يحتاج إلى كشف كامل للسجلات والقرارات.
فالخطوة الأولى تتمثل في نشر قوائم واضحة بالعقارات التي شملتها قرارات الاستملاك في المناطق محل الاعتراض، مع رقم العقار ومساحته والجهة المستملكة والغاية التي صدر من أجلها القرار وتاريخ الاستملاك، ثم بيان ما إذا كان المشروع قد نُفذ فعلياً وما إذا دُفعت التعويضات وأين أصبح تسجيل العقار اليوم.
والخطوة الثانية هي الفصل بين ثلاثة ملفات مختلفة: العقارات التي نُفذ عليها الاستملاك فعلاً وفق القانون، والعقارات التي صدر قرار باستملاكها ولم ينفذ المشروع عليها، والعقارات التي لا تزال محل نزاع أو «وضع يد». فخلط هذه الحالات في ملف واحد يزيد الغموض ولا يساعد على الوصول إلى حلول.
السؤال الذي ينتظر جواباً رسمياً
اليوم، يقف ملف الاستملاك في ريف دمشق أمام اختبار حقيقي. أصحاب الأراضي يريدون استعادة حقوقهم أو معرفة مصيرها، والدولة تريد جذب الاستثمارات وتوسيع المشاريع السكنية، والمستثمر يحتاج إلى أرض مستقرة قانونياً، فيما تبقى السجلات والقرارات القديمة هي الحلقة التي يمكن أن تحسم الخلاف.
لذلك، فإن السؤال الأهم لم يعد فقط: هل نحتاج إلى مشاريع سكنية واستثمارية جديدة؟ بل: هل حُسمت ملكية الأراضي التي ستقام عليها هذه المشاريع قبل البدء بها؟
الإجابة لا تحتاج إلى بيانات عامة أو وعود بمتابعة الملف، وإنما إلى نشر الوثائق، وتحديد المسؤوليات، وإعلان نتائج لجان الاستملاك، وبيان مصير كل عقار محل اعتراض. فوضوح الملكية ليس مطلباً للمالكين وحدهم؛ بل هو شرط أساسي لأي استثمار مستقر، ولأي إعادة إعمار تريد أن تبدأ من القانون لا من الملفات العالقة.