لكل السوريين

دمشق تختار التفاوض في مواجهة التصعيد الإسرائيلي.. مسار أمني لا يزال محفوفًا بالعقبات

لا تبدو دمشق مستعجلة للوصول إلى اتفاق شامل مع إسرائيل بقدر ما تسعى إلى تثبيت مسار تفاوضي يمكن أن يشكل مدخلًا لخفض التصعيد ووقف العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية. وفي ظل استمرار الضربات والتوغلات، تراهن الحكومة السورية الجديدة على التفاوض لتأكيد استعدادها لمعالجة الهواجس الأمنية، وفي الوقت نفسه تقليص الذرائع التي تستخدمها إسرائيل لتبرير تحركاتها.

وفي هذا السياق، شهد الأردن محادثات سورية إسرائيلية رفيعة المستوى بوساطة أميركية، ركزت على خفض التصعيد وإعادة إطلاق المفاوضات بشأن ترتيبات أمنية بين الجانبين. ووفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية عن مصدر دبلوماسي، تناولت الاجتماعات آليات وقف الاعتداءات والاعتقالات والاستهدافات الإسرائيلية، إلى جانب بحث إمكانية التوصل إلى اتفاق أمني يمكن أن يشكل لاحقًا أساسًا لتفاهم أوسع.

وتأتي هذه الجولة بعد فترة من الجمود أصابت الاتصالات بين دمشق وتل أبيب، ولا سيما عقب الحرب الإيرانية الإسرائيلية والضربة التي استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية السورية. وكان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قد أشار إلى تجميد المفاوضات عقب الهجوم، مع تأكيد رغبة دمشق في استئنافها.

ومنذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، تبنت إسرائيل سياسة أمنية أكثر تشددًا تجاه سوريا، مستندة إلى مخاوف من ظهور تهديدات جديدة على حدودها الشمالية، بالتزامن مع توسيع انتشارها العسكري في مناطق من جنوب غرب سوريا وتنفيذ ضربات استهدفت مواقع عسكرية.

وتقول تل أبيب إن هذه التحركات تهدف إلى حماية أمنها ومنع وصول أسلحة أو قدرات عسكرية إلى أطراف تعتبرها تهديدًا، بينما تؤكد دمشق أن لا نية لديها لشن هجمات على إسرائيل، وتطالب بوقف العمليات العسكرية والانسحاب من الأراضي السورية.

التفاوض كورقة سياسية

بالنسبة إلى دمشق، لا يمثل التفاوض مسارًا أمنيًا فقط، بل أداة سياسية أيضًا. فإبداء الاستعداد المستمر للجلوس إلى طاولة المفاوضات والبحث في المخاوف الأمنية يضع إسرائيل أمام اختبار أكثر وضوحًا: إذا كانت الهواجس الأمنية هي الدافع الأساسي لتحركاتها، فإن معالجة هذه الهواجس يمكن أن تتم عبر التفاهمات والآليات الأمنية، وليس بالضرورة عبر القصف والتوغل.

وتسعى دمشق من خلال ذلك إلى بناء معادلة تقوم على أن وجود قناة تفاوضية فعالة يجب أن يفضي إلى خفض التوتر ميدانيًا، لا أن يتحول إلى غطاء لاستمرار العمليات العسكرية.

وكان الشيباني قد تحدث في تصريحات سابقة عن إحراز تقدم في المفاوضات قبل تجميدها، مشيرًا إلى أن الجانبين اقتربا من التوافق على عدد من البنود، بينها مبادئ تتعلق بعدم الاعتداء وعدم التدخل في الشؤون الداخلية السورية.

كما طُرحت ترتيبات أمنية في المناطق القريبة من الحدود، بما فيها منطقة عازلة وانتشار لقوات الأمم المتحدة، إلى جانب تصورات بشأن وجود القوات السورية بأعداد محددة في مناطق أخرى.

السيادة السورية في قلب الخلاف

لكن الطريق أمام أي اتفاق لا يزال مليئًا بالعقبات، وفي مقدمتها الخلاف حول طبيعة الترتيبات الأمنية وحدودها.

وتتمسك دمشق بانسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط ما قبل الثامن من كانون الأول 2024، وإعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 وتنفيذه بصورة كاملة.

كما تؤكد الحكومة السورية أن البلاد دولة ذات سيادة، وأن من حقها إعادة بناء مؤسساتها العسكرية وتطوير قدراتها الدفاعية واختيار علاقاتها وتحالفاتها بما يخدم مصالحها الوطنية، وهو موقف قد يصطدم بالمطالب الإسرائيلية المتعلقة بحجم وانتشار القوات السورية في الجنوب.

ولا تقتصر الحسابات الإسرائيلية على الجيش السوري وحده، إذ بات الوجود التركي في سوريا جزءًا من المعادلة الأمنية التي تحظى باهتمام تل أبيب وواشنطن.

وتسعى الولايات المتحدة، بحسب المعطيات المتداولة حول المحادثات، إلى منع تحول التنافس التركي الإسرائيلي إلى مصدر توتر إضافي داخل سوريا، في وقت تمتلك فيه أنقرة حضورًا ونفوذًا أمنيًا وعسكريًا في البلاد.

وهنا تواجه دمشق معادلة دقيقة؛ فهي تريد الحفاظ على حقها في بناء شراكاتها الإقليمية، وفي الوقت نفسه منع إسرائيل من استخدام العلاقات السورية التركية ذريعة جديدة لتوسيع تدخلها العسكري.

واشنطن أمام اختبار الوساطة

وتبقى الولايات المتحدة الطرف الأكثر قدرة على التأثير في مسار المفاوضات، بحكم علاقتها الوثيقة بإسرائيل ودورها في رعاية الاتصالات بين الطرفين.

لكن نجاح الوساطة الأميركية يتطلب معالجة فجوة واسعة في مواقف دمشق وتل أبيب. فإسرائيل تريد ضمانات أمنية واسعة وتخشى من إعادة بناء القدرات العسكرية السورية، بينما تركز دمشق على وقف الهجمات والانسحاب واستعادة السيطرة الكاملة على أراضيها.

وفي هذه المرحلة، يبدو أن الوصول إلى اتفاق شامل لا يزال بعيدًا، ولذلك قد يكون الهدف الأكثر واقعية هو التوصل أولًا إلى ترتيبات مؤقتة تمنع التصعيد وتوقف الضربات والاعتقالات والتوغلات، قبل الانتقال إلى الملفات الأكثر تعقيدًا.

أما قضية الجولان، فتظل خارج إطار الحسم في المرحلة الراهنة، مع تمسك دمشق بموقفها القائم على أن الهضبة أرض سورية محتلة، مع اعتبار بحث وضعها النهائي في الظروف الحالية أمرًا سابقًا لأوانه.

وفي المحصلة، فإن عودة المفاوضات لا تعني بالضرورة اقتراب توقيع اتفاق سوري إسرائيلي، لكنها تؤكد أن دمشق تحاول نقل المواجهة من الميدان إلى طاولة التفاوض، واستخدام المسار السياسي لتقليص مساحة الذرائع الأمنية الإسرائيلية.

ويبقى نجاح هذه المقاربة مرتبطًا بطبيعة الأهداف الإسرائيلية نفسها: هل تسعى تل أبيب إلى ترتيبات أمنية محددة تضمن حماية حدودها، أم إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية في جنوب سوريا وفرض قيود طويلة الأمد على خيارات دمشق الإقليمية؟

الإجابة عن هذا السؤال ستكون حاسمة في تحديد مستقبل المفاوضات، وما إذا كانت ستتحول إلى مسار حقيقي لخفض التصعيد، أم تبقى مجرد أداة لإدارة أزمة مفتوحة بين البلدين.

- Advertisement -

- Advertisement -