واصلت أسعار الذهب في سوريا ارتفاعها، بالتزامن مع موجة صعود قوية في الأسواق العالمية، مدفوعة بتراجع الدولار وعوائد سندات الخزانة الأمريكية، إلى جانب تنامي التوقعات بشأن توجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماعه المقبل.
وسجل غرام الذهب عيار 21 قيراطًا، وهو الأكثر تداولًا في السوق السورية، ارتفاعًا بمقدار 400 ليرة سورية جديدة خلال 24 ساعة، ليصل سعر المبيع إلى 16,500 ليرة، مقابل 16,200 ليرة للشراء، بحسب النشرة الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة يوم الأربعاء 19 آب.
وكان الغرام قد سجل في تسعيرة الثلاثاء 16,100 ليرة للمبيع و15,800 ليرة للشراء، ما يعني ارتفاعًا نسبته نحو 2.5% خلال يوم واحد.
ارتفاعات متفاوتة لمختلف العيارات
لم يقتصر الصعود على عيار 21، إذ ارتفع سعر غرام الذهب عيار 24 بمقدار 450 ليرة، مسجلًا 18,950 ليرة للمبيع و18,650 ليرة للشراء، مقابل 18,500 ليرة للمبيع في التسعيرة السابقة.
كما ارتفع غرام الذهب عيار 18 بنحو 400 ليرة، ليبلغ 14,150 ليرة للمبيع و13,850 ليرة للشراء، مقارنة بـ13,750 ليرة للمبيع أمس.
وامتدت حركة الارتفاع إلى المعادن الثمينة الأخرى، إذ صعد سعر غرام البلاتين بمقدار 300 ليرة ليصل إلى 8,000 ليرة للمبيع، بينما ارتفع سعر غرام الفضة الخام خمس ليرات، مسجلًا 285 ليرة للمبيع و275 ليرة للشراء.
وتعكس هذه التحركات استمرار ارتباط السوق السورية بصورة مباشرة نسبيًا بتغيرات أسعار المعادن النفيسة عالميًا، إلى جانب تأثيرات سعر الصرف وحركة العرض والطلب المحلية.
الأونصة العالمية عند أعلى مستوى في أكثر من شهرين
جاء الارتفاع المحلي بالتزامن مع قفزة كبيرة في أسعار الذهب عالميًا، إذ ارتفع سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 3.5% إلى نحو 4,486.88 دولارًا للأونصة، بعدما لامس خلال التداولات 4,491.16 دولارًا، وهو أعلى مستوى منذ الرابع من حزيران الماضي.
كما ارتفعت العقود الأمريكية الآجلة للذهب بنسبة 2.8% إلى نحو 4,546.10 دولارًا للأونصة.
ويأتي هذا الصعود في ظل تحولات في أسواق السندات والعملات، بعدما أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إجراءات لدعم السيولة، الأمر الذي دفع عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل إلى التراجع، بالتزامن مع انخفاض مؤشر الدولار.
ويُنظر إلى تراجع الدولار وعوائد السندات باعتبارهما عاملين داعمين للذهب، إذ يصبح المعدن المقوم بالدولار أكثر جاذبية للمستثمرين الذين يحملون عملات أخرى، فيما تقل تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بأصل لا يدر فائدة مثل الذهب.
أنظار الأسواق تتجه إلى الاحتياطي الفيدرالي
تتجه أنظار المستثمرين حاليًا إلى السياسة النقدية الأمريكية، وسط تزايد التوقعات بأن يبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه المقرر في 15 و16 أيلول المقبل.
وتكتسب قرارات الفيدرالي أهمية كبيرة بالنسبة إلى الذهب، إذ إن خفض أسعار الفائدة أو الإبقاء عليها دون رفع جديد، خصوصًا في ظل انخفاض العوائد الحقيقية، يمكن أن يعزز شهية المستثمرين تجاه المعدن الأصفر باعتباره أداة للتحوط ووسيلة لحفظ القيمة.
في المقابل، تبقى الأسواق شديدة الحساسية لأي بيانات اقتصادية أو تصريحات من مسؤولي البنك المركزي قد تعيد إحياء توقعات التشديد النقدي، وهو ما يمكن أن يحد من مكاسب الذهب أو يدفعه إلى موجة تصحيح.
الذهب كأداة للتحوط في السوق السورية
ولا يبدو ارتفاع الذهب في سوريا مجرد انعكاس لحركة الأسواق العالمية، بل يأتي أيضًا في سوق اقتصادية محلية يتجه فيها جزء من المدخرين إلى المعدن الأصفر باعتباره وسيلة للتحوط من تقلبات الأسعار وسعر الصرف.
وتزداد أهمية السبائك والمصوغات الذهبية الخفيفة لدى بعض المدخرين، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة على الاحتفاظ بالمدخرات النقدية لفترات طويلة.
كما أن اتساع الفارق بين أسعار الشراء والمبيع، وتغير التسعيرات بصورة متكررة، يجعلان قرار شراء الذهب بالنسبة للأسر والأفراد مرتبطًا بشكل متزايد بتوقعات السوق، وليس بالاستهلاك والزينة فقط.
هل يستمر الصعود؟
رغم قوة الموجة الصاعدة، لا تخلو السوق من احتمالات التصحيح. فاستمرار ارتفاع الذهب خلال الفترة المقبلة سيبقى مرتبطًا بعدة عوامل، أبرزها مسار الدولار الأمريكي، وعوائد سندات الخزانة، وتوجهات الاحتياطي الفيدرالي، إضافة إلى البيانات المتعلقة بالتضخم والنمو والوظائف في الولايات المتحدة.
وفي حال استمر ضعف الدولار وتراجعت العوائد، فقد يحافظ الذهب على زخمه الصاعد، بينما يمكن لأي مفاجأة في البيانات الاقتصادية أو تغير في توقعات الفائدة أن تدفع المستثمرين إلى جني الأرباح.
وكان الذهب قد سجل مستوى قياسيًا خلال كانون الثاني 2026 عندما لامس نحو 5,608 دولارات للأونصة، قبل أن يتعرض لموجة بيع قوية دفعته إلى ما دون 4,500 دولار في شباط، ليعاود الصعود خلال الأشهر التالية.
وبالنسبة إلى السوق السورية، فإن استمرار ارتفاع الأونصة عالميًا يعني بقاء أسعار الذهب المحلية تحت ضغط صعودي، مع بقاء عامل سعر الصرف وحركة التداول الداخلية من أبرز المحددات التي قد تزيد من سرعة انتقال أي ارتفاع عالمي إلى السوق المحلية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الذهب يواصل أداء دوره التقليدي كـملاذ آمن للمدخرات، فيما تترقب الأسواق السورية والعالمية ما إذا كانت الموجة الحالية ستتحول إلى مسار صاعد طويل الأمد، أم أنها ستتوقف عند حدود موجة ارتفاع مؤقتة تسبقها عمليات جني أرباح وتصحيح سعري.