لكل السوريين

اكتشاف أثري جديد في عفرين.. مدفن ونقش يوناني يعيدان فتح صفحة من تاريخ المنطقة

كشفت أعمال حفر لتنفيذ خط مياه بين قريتي جمانلي وعمرانلي في ناحية بلبل بريف عفرين، عن مدفن أثري وعدد من اللقى الحجرية المرتبطة به، في اكتشاف جديد يسلّط الضوء على الغنى الأثري الذي تختزنه منطقة عفرين وتنوع الحضارات التي تعاقبت عليها.

وجرى التعامل مع الموقع بالتنسيق بين إدارة منطقة عفرين ومديرية آثار ومتاحف حلب وشرطة ناحية بلبل، حيث انتقل فريق مختص من دائرة التنقيب والدراسات الأثرية ومكتب آثار عفرين إلى المكان، وعمل على توثيق المدفن وما ظهر داخله وحوله من مكتشفات، قبل اتخاذ الإجراءات اللازمة لحمايتها ونقلها.

وبحسب معلومات نشرت حول الاكتشاف، تضمنت اللقى قطعاً حجرية تحمل منحوتات لوجوه بشرية، إضافة إلى قطعة تحمل نقشاً باللغة اليونانية القديمة، الأمر الذي يضيف أهمية علمية إلى المكتشفات، ويفتح المجال أمام دراسات متخصصة لتحديد تاريخ المدفن وطبيعته والمرحلة الحضارية التي ينتمي إليها.

وتشير القراءة الأولية للنقش اليوناني إلى مضمون جنائزي يتعلق بإيداع رفات شخص يدعى كاسيينيتوس في قبر أريستوفانيس، مع إشارة إلى خدمته العسكرية، وهو ما يجعل القطعة ذات قيمة خاصة من الناحيتين الأثرية والتاريخية، نظراً لما يمكن أن توفره الكتابات الجنائزية من معلومات عن الأشخاص والمجتمعات والأنظمة الاجتماعية والعسكرية في الفترات القديمة.

ولا تزال عملية تحديد التاريخ الدقيق للمدفن واللقى المرتبطة به بحاجة إلى دراسة علمية متخصصة، تشمل فحص العناصر المعمارية والنقوش والأسلوب الفني للمنحوتات ومقارنتها بمكتشفات مماثلة في منطقة عفرين وشمال سوريا.

عفرين.. طبقات متراكمة من التاريخ

ويأتي هذا الاكتشاف في منطقة عُرفت منذ العصور القديمة بتعدد مواقعها الأثرية، إذ تضم منطقة عفرين ومحيطها شواهد تعود إلى مراحل تاريخية مختلفة، بينها مواقع ومدافن وكنائس وأبنية من الفترات الرومانية والبيزنطية وغيرها.

وتوضح مصادر أثرية أن العثور على مدافن خلال تنفيذ مشاريع البنية التحتية ليس أمراً غير مسبوق في المنطقة؛ فقد سبق أن ظهرت مكتشفات أثرية في مواقع أخرى أثناء حفر خنادق لجر المياه، ما يؤكد أن أجزاء واسعة من التراث المدفون لا تزال تنتظر الكشف والدراسة.

كما سبق أن كُشف في منطقة عفرين عن مدافن منحوتة في الصخور الكلسية، بينها مدافن جماعية ذات حجرات وقبور متعددة، ما يعكس تنوع تقاليد الدفن في المنطقة خلال العصور القديمة.

من موقع الاكتشاف إلى متحف حلب

وعقب الانتهاء من توثيق المكتشفات، جرى نقل اللقى الأثرية إلى متحف حلب الوطني، بهدف حفظها وصونها وإخضاعها للدراسة وفق الإجراءات العلمية المتبعة في التعامل مع المكتشفات الأثرية.

وتكتسب عملية النقل أهمية خاصة، ليس فقط باعتبارها خطوة لحماية القطع من التلف أو الضياع، وإنما أيضاً لكونها تتيح للباحثين دراسة المكتشفات ضمن سياقها التاريخي ومقارنتها بقطع ونقوش أخرى محفوظة في المتاحف السورية.

ويؤكد هذا الاكتشاف مجدداً أن أعمال الحفر والمشاريع الخدمية قد تكشف عن طبقات أثرية غير معروفة، الأمر الذي يجعل التنسيق بين الجهات المنفذة للمشاريع والمؤسسات الأثرية ضرورة أساسية، خصوصاً في المناطق ذات الكثافة التاريخية.

وبينما تستمر أعمال الدراسة والتوثيق، يبقى المدفن المكتشف في ناحية بلبل شاهداً جديداً على عمق التاريخ الذي تختزنه عفرين، فيما قد تحمل اللقى والنقوش المكتشفة معلومات إضافية عن سكان المنطقة ومعتقداتهم وتقاليدهم الجنائزية وعلاقاتهم بالعالمين اليوناني والروماني في العصور القديمة. ويظل الإعلان عن النتائج العلمية النهائية للدراسات المتخصصة هو الفيصل في تحديد العمر الدقيق للمدفن وأهميته ضمن الخريطة الأثرية السورية.

- Advertisement -

- Advertisement -