لكل السوريين

يبرود.. في صخور القلمون كُتب الفصل الأول من قصة الإنسان

عند سفح جبال القلمون الشمالي، وعلى بعد 80 كم من دمشق، لا تبدو مدينة يبرود مختلفة عن باقي مدن الجبل. بيوت حجرية وهواء بارد. لكن تحت هذه الصخور وتحديداً في تجاويفها، يختبئ واحد من أقدم فصول تاريخ البشرية.

هنا في يبرود، لم يسكن الإنسان فقط. هنا تعلم الإنسان.

مختبر التطور البشري

اكتسبت يبرود أهميتها العالمية بعد أن كشفت بعثات التنقيب الألمانية بقيادة ألفريد روست عام 1930 عن سلسلة مغاور طبيعية: “إسكفتا” و”الدوارة” و”السنجق”. وما وجده العلماء لم يكن مجرد أدوات حجرية، بل كان سجلاً طبقياً متكاملاً.

18 طبقة أثرية فوق بعضها في مغارة إسكفتا وحدها. كل طبقة تقفز بنا 20 ألف سنة إلى الوراء. من العصر الحجري القديم الأدنى قبل 300 ألف عام، مروراً بالعصر الحجري الأوسط، وصولاً إلى بوادر الاستقرار في العصر الحجري الحديث قبل 10 آلاف عام.

هذا التتابع النادر هو ما جعل يبرود مرجعاً عالمياً. فالقليل من المواقع في العالم تحفظ لنا هذا الاستمرار.

ولادة “الثقافة اليبرودية

الأهم من الأدوات هو الاسم الذي حملته. أطلق علماء الآثار مصطلح *”الثقافة اليبرودية Yabrudian Culture”* على نمط مميز لصناعة الأدوات الحجرية ظهر في الموقع بين 250 و100 ألف سنة قبل الميلاد.

لم تكن مجرد فؤوس. كانت رؤوس مدببة متقنة، وشفرات جانبية، وأدوات كشط. تطور تقني واضح يدل على أن إنسان يبرود لم يكن ينجو فقط، بل كان يفكر ويطور ويختبر.

وتعتبر “اليبرودية” حلقة الوصل بين ثقافة الأشوليين القدامى وثقافات الإنسان العاقل الحديث. أي أن بلاد الشام، ومنها يبرود، كانت فعلاً معبراً حضارياً وتقنياً للإنسان الخارج من إفريقيا باتجاه أوروبا وآسيا.

يوميات من العصر الحجري

ماذا نعرف عن سكان يبرود؟ الكثير.

بقايا مواقد النار في أرضية المغاور تخبرنا أنهم عرفوا النار للتدفئة والطهي. عظام الغزلان والوعول والخيول البرية المتناثرة تخبرنا أنهم كانوا صيادين محترفين. وحتى طريقة كسر العظام تشير إلى أنهم استخرجوا النخاع كغذاء غني بالبروتين.

لم يبنوا بيوتاً بعد. كان الجبل بيتهم. والكهف غرفة نومهم ومطبخهم وورشة عملهم. لكنهم بدأوا يشكلون جماعات، ويقسمون العمل، ويورثون الخبرة. هذه هي بداية المجتمع.

إرث مهدد ومسؤولية عالمية

اليوم تقف يبرود أمام تحدٍ جديد. سنوات الحرب والإهمال و عوامل التعرية هددت بعض طبقات الموقع. والمياه الجوفية بدأت تغير من طبيعة التربة الأثرية.

لكن الخطر الأكبر هو النسيان. فالموقع غير مسجل على لائحة اليونسكو بعد، رغم قيمته العالمية.

ويقول مختصون إن حماية يبرود لا تعني حماية حجارة فقط. تعني حماية ذاكرة نوعنا. ففهم كيف انتقل الإنسان من استخدام حجر واحد لكل شيء، إلى تخصيص أداة لكل مهمة، هو فهم لكيف بدأنا نفكر كـ “بشر”.

الحجر الذي يتكلم

في متحف دمشق الوطني، وفي زاوية هادئة، توجد علبة زجاجية. بداخلها مجموعة نصال حجرية صغيرة صفراء. مكتوب تحتها بخط صغير: “يبرود”.

قد تبدو عادية للزائر المستعجل. لكنها ليست كذلك. هذا الحجر هو أول دليل على أن الإنسان في هذه المنطقة بدأ يخطط. بدأ يتخيل الأداة قبل أن يصنعها.

يبرود لا تروي تاريخ مدينة. يبرود تروي تاريخنا.

وتقول لنا بصوت هادئ من أعماق الجبل: من هنا بدأنا.

- Advertisement -

- Advertisement -