لكل السوريين

العمل عن بعد في حمص.. خيار البقاء في ظل الأزمة الاقتصادية

حمص/ بسام الحمد

منذ ساعات الصباح الأولى، يفتح سامر العلي جهازه المحمول في شقته الصغيرة بحي الخالدية في حمص، ويبدأ يومه في متابعة الطلبات التي تلقاها عبر منصات العمل الحر على الإنترنت. يبلغ سامر من العمر 28 عاماً، وهو متخصص في تصميم الجرافيك وصناعة محتوى رقمي للشركات الصغيرة والمتوسطة، وقد لجأ إلى العمل عن بعد منذ خمس سنوات بعد أن أغلق المشروع العائلي للصناعات الجلدية الذي ورثه عن والده بسبب الركود الاقتصادي والحصار المستمر على المدينة.

يقول سامر: “في البداية كان الأمر مجرد تجربة، لكن مع الوقت أصبح الإنترنت بالنسبة لي وظيفة كاملة، وأحياناً مصدر دخل أفضل من أي عمل محلي”.

لا يختلف حال سامر كثيراً عن ليث أبو زيد، شاب في الثالثة والعشرين من عمره، بدأ كتابة المقالات وإعداد التقارير للشركات عبر منصات إلكترونية خارجية بعد أن توقف عن العمل في المقاولات البسيطة التي كانت توفر له أجراً لا يتجاوز 40 ألف ليرة سورية يومياً، يضيف ليث: “العمل التقليدي لم يعد يوفر أي استقرار، بينما عبر الإنترنت يمكنني العمل من البيت، وأحياناً أحقق دخلاً بالدولار أو اليورو، وهذا فرق كبير مقارنة بالليرة المتقلبة”.

هذه التجارب الفردية تعكس توجه آلاف الشباب في حمص الذين اختاروا العمل الرقمي كخيار بديل للبقاء في مدينتهم بدل الهجرة الاقتصادية. وفقاً لما أفادت به رنا حنّا، خبيرة تسويق رقمي ومديرة شركة محلية للإعلان والتدريب، فإن مجالات العمل عبر الإنترنت تشمل التسويق الرقمي، إدارة منصات التواصل الاجتماعي، البرمجة، التصميم الجرافيكي، الدروب شيبينغ، وكتابة المحتوى، مضيفة: “هذه المجالات تحتاج إلى صبر ومهارات تقنية، لكنها تمنح العامل استقلالية ومرونة لا يوفرها العمل التقليدي، وهو ما جذب عدداً كبيراً من الشباب في حمص إلى هذا المجال”.

يؤكد سامر أن أهم ما دفعه للعمل عبر الإنترنت هو شح فرص العمل المحلي وتراجع المشاريع التجارية بعد سنوات من الحرب والحصار: “كنت أعمل على مشروع صغير للجلود، لكنه توقف تمامًا بعد أن أصبحت تكلفة المواد مرتفعة جدًا والزبائن قليلين. هنا أدركت أن الإنترنت هو البديل الوحيد”.

ويضيف: “رغم المخاطر، مثل الاحتيال على بعض المنصات، فالعمل الرقمي يتيح لي أن أعيش حياة كريمة داخل مدينتي دون الحاجة للانتقال إلى الخارج”.

لكن العمل عبر الإنترنت ليس خالياً من التحديات. يقول ليث إن عدم ثبات الدخل يشكل عقبة كبيرة: “أحياناً أحصل على 300 دولار في الشهر، وأحياناً أقل من ذلك، الأمر مرتبط بعدد المهام التي أنجزها وسعر الطلبة على المنصات المختلفة.” ويشير إلى أن ضعف سرعة الإنترنت في بعض مناطق حمص، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الباقات، يضيف عبئاً إضافياً على الراغبين في العمل الرقمي.

الخبير الاقتصادي فراس أبو صالح يوضح أن الأسباب الرئيسية لتوجه الشباب نحو الإنترنت تشمل انخفاض الأجور المحلية، التضخم، البطالة المرتفعة، وغياب الاستقرار الوظيفي: “العمل الافتراضي يوفر دخلاً بالعملة الصعبة، وهذا يتيح للشباب مواجهة غلاء المعيشة في ظروف اقتصادية صعبة، كما أنه يمنحهم فرصة لتطوير مهارات جديدة ومواكبة التطور العالمي”.

ومن ناحية أخرى، تشير رنا حنّا إلى أهمية التعليم الرقمي المستمر واكتساب مهارات التسويق الإلكتروني: “الكثير من الشباب يقعون ضحية المنصات الوهمية التي تعد بالثراء السريع. الحل هو التعلم خطوة بخطوة، بدءاً بأساسيات التسويق ثم الانتقال للعمل على منصات موثوقة، وبذلك يمكن تحويل الإنترنت إلى مصدر دخل حقيقي”.

بالنسبة للكثيرين في حمص، يمثل العمل الرقمي نوعاً من الهجرة الاقتصادية دون مغادرة المدينة. سامر يؤكد: “أنا لا أغادر حمص، لكن عملي الرقمي يمكنني من تحقيق دخل بالدولار ويشعرني بأنني مواكب للعالم، رغم كل الظروف.” بينما يضيف ليث: “قد لا يكون الحل النهائي لجميع مشاكل البطالة، لكنه وسيلة للبقاء وللحياة الكريمة، وهو خيار أفضل من الانتظار بلا عمل أو الانتقال إلى الخارج في ظل الظروف الصعبة”.

بعد أكثر من عشر سنوات من الأزمة، وسنوات طويلة من النزوح الداخلي والتحديات الاقتصادية، بات العمل عبر الإنترنت بالنسبة لشباب حمص خياراً واقعياً للبقاء، وسيلة لتأمين دخل ثابت نسبياً، وفرصة لتطوير المهارات، والحفاظ على الاستقرار النفسي والاجتماعي داخل المدينة. وبين الفرص والمخاطر، يظل الإنترنت نافذة أمل للشباب السوريين الذين يبحثون عن حياة كريمة وسط واقع اقتصادي صعب ومستمر في التغير.

- Advertisement -

- Advertisement -