درعا/ رجاء مختار
حيث تختلط الأرض برائحة التراب القديم وتتشابك البيوت بأواصر القرابة، يظل زواج الأقارب تقليداً يفرض نفسه بقوة الحضور التاريخي أكثر مما يستند إلى وعي صحي أو اجتماعي في محافظة درعا.
وعلى الرغم من التحولات التي مرت بها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، ما يزال كثير من الأهالي يرون في زواج ابنة العم باباً لحماية النسب ولمّ الشمل، بينما يرى آخرون أنه قيد يورث المشكلات النفسية والجسدية، ويعيد إنتاج معاناة تستمر عبر أجيال. وبين هذا وذاك، تخرج قصص من قلب القرى والبلدات تكشف أثماناً لا تظهر على السطح بسهولة، أثماناً تتحملها غالباً النساء والأطفال، وتبقى عالقة في ذاكرة البيوت والطرقات الضيقة.
في بلدة صيدا شرق درعا، تجلس أمل، شابة في الثالثة والعشرين من عمرها، على عتبة منزل والدها، وهي تتأمل أطفال الحي يلعبون بينما تخفي داخلها مرارة التجربة. أُجبرت على الزواج من ابن خالها بحجة الحفاظ على “الدم القريب”، رغم رفضها المتكرر ومحاولاتها إقناع والدها بأن قلبها لا يطاوعها على قبول هذا الارتباط. لم تستمر حياتها الزوجية أكثر من سنوات قليلة حتى بدأت مأساة طفلتها الوحيدة التي وُلدت بمرض وراثي نادر يجعل عظامها هشة وتحتاج لعناية خاصة.
تقول أمل: “كنت أعرف أن هذا الزواج لن يجلب لي السعادة، لكن لم أكن أتوقع أن تدفع طفلتي الثمن الأكبر”. ومع خلافات متكررة بينها وبين زوجها حول رعاية الطفلة وتكاليف العلاج، انتهى الأمر بانفصال غير معلن، إذ عاد زوجها إلى منزل والديه تاركاً أمل تعيش بين اللوم العائلي وصعوبة الواقع.
أما في بلدة طفس، فكانت قصة عبد الله ونور مختلفة بقدر ما كانت مؤلمة. تزوج الشاب عبد الله من ابنة عمه بدافع العادات ورغبة الوالدين في “تقوية الروابط”، رغم أن كليهما لم يكن مقتنعاً بالعلاقة. ومع مرور الوقت، وضعت نور طفلين يعانيان من مشكلات صحية متكررة تتعلق بالمناعة وضعف النمو.
ومع كل زيارة للطبيب كان الشرح يعود إلى نقطة واحدة: التاريخ الوراثي المتشابه بين الزوجين. يروي عبد الله: “لم نكن نفهم معنى الأمراض الوراثية قبل الزواج، كنا نعتقد أن الأمر مجرد خوف مبالغ به من الأطباء”. ومع تراكم الضغوط النفسية والمالية، بدأ عبد الله بالانعزال عن أسرته، بينما غرقت نور في نوبات اكتئاب متكررة بسبب إحساسها بالذنب تجاه أطفالها.
وفي قرية داعل، تجلس مها، امرأة في بداية الأربعين، وهي تحيك الصوف لتكمل ما تبقى من دخل ضئيل يعينها على الحياة. تزوجت مها من ابن عمها الأكبر منها بخمس عشرة سنة تحت ضغط عمّها الذي أراد الحفاظ على ممتلكات الأسرة داخل نطاق القرابة. وعلى مدى أكثر من عشرين عاماً، أنجبت خمسة أطفال، عاش اثنان منهم فقط، بينما خسرَت ثلاثة بسبب أمراض وراثية مرتبطة بالدم.
تحمل مها على كتفيها عبئاً بصمت، وتقول: “لم يكن أحد يجرؤ على نقاش كبار العائلة، كنا نطيع فقط، وكل ما حدث كان يبدو قدراً مكتوباً”. ومع غياب الوعي الصحي في تلك الفترة، لم يخضع الزوجان لأي فحوص طبية قبل الزواج، ولم يستوعبا لاحقاً أن الأمر لم يكن محض صدفة، بل نتيجة مباشرة للقرابة القريبة.
هذه القصص وغيرها مما تشهده درعا، تكشف تعقيدات اجتماعية تمتد جذورها إلى عقود طويلة من التمسك بالموروثات. ورغم اختلاف التفاصيل بين أمل ونور ومها، تتشابه خيوط الألم التي تجمعهن: علاقة مفروضة أو غير مدروسة، نتائج صحية قاسية، وأطفال يتحملون ما لم يكن لهم يد فيه.
ومع تزايد الحالات المشابهة، بدأ بعض الأطباء في المحافظة بدق ناقوس الخطر، محذرين من تفاقم الأمراض الوراثية في ظل غياب الوعي الصحي. ويؤكد خبراء اجتماعيون أن الضغط النفسي الناتج عن الزواج القسري أو غير المتكافئ لا ينعكس فقط على المرأة، بل يشكل عبئاً على الأسرة بأكملها، ويقود في كثير من الأحيان إلى اضطرابات عاطفية واكتئاب مزمن وانعدام الاستقرار.
ولا يقتصر تأثير زواج الأقارب على الجانب الصحي فحسب، بل يمتد إلى العلاقات الأسرية، حيث تتدخل العائلات بشكل مستمر في تفاصيل الحياة الزوجية بحجة القرابة، ما يجعل المرأة أكثر عرضة لفقدان استقلاليتها.
وفي حالات كثيرة، تتحول العلاقة الزوجية إلى امتداد للصراعات القديمة بين العائلات، أو وسيلة لفرض السيطرة داخل النسب الواحد. هذا التداخل المعقد يجعل من أي خلاف بسيط شرارة لحرب لا تهدأ، ويزيد الضغط النفسي على الزوجين، خصوصاً النساء اللواتي يجدن أنفسهن محاصرات بين “الخوف من الطلاق” و”الخوف من المرض”.
ورغم أن بعض العائلات بدأت تدرك خطورة هذا النوع من الزواج، ما تزال قطاعات واسعة في درعا ترى فيه قاعدة اجتماعية لا يمكن التخلي عنها بسهولة. ومع غياب الإلزام القانوني بالفحص الوراثي قبل الزواج، وضعف التوعية، تبقى الجهود فردية ومحدودة الأثر. فالكثيرون يخشون مواجهة العائلة، أو يخافون من نظرة المجتمع إذا قرروا الزواج من خارج محيط القرابة، فيُقدمون على خطوة تحدد مصير أسرهم بناء على ما اعتاد عليه الآباء وليس ما يحتاجه المستقبل.
ومع تراكم هذه التجارب المؤلمة، تبرز الحاجة الملحة إلى حديث صريح داخل المجتمع، حديث يتجاوز سلطة الأعراف ويضع صحة الأجيال الجديدة في المقدمة. فالتقاليد التي كانت تُرى يوماً مصدراً للحماية قد تحولت اليوم إلى مصدر لمشكلات عميقة تمس بنية المجتمع ذاته. والزواج، الذي يفترض أن يكون شراكة قائمة على المودة والاختيار والانسجام، يصبح في ظل الإكراه والقرابة الضيقة سبباً للمعاناة ونقطة انطلاق لدوامة لا تنتهي من الأمراض والمخاوف.
إن قصص أبناء درعا تكشف أن الوقت قد حان لإعادة التفكير في هذه الموروثات، ليس بهدف قطع الروابط العائلية، بل لحمايتها من التصدع. فصحة الأطفال وسلامة العائلة واستقرار المجتمع أولى من كل الأعراف. والإنسان، قبل أي شيء، يستحق حياة تُبنى على الوعي لا على الخضوع، وعلى المعرفة لا على الإرث الاجتماعي.