لكل السوريين

جيل من درعا يدفع ثمن الحرب.. طفولة مختطفة بين أنقاض المدينة وأكشاك العمل

درعا/ رجاء مختار

بينما كان ينبغي أن يكون صوت أجراس المدارس هو الموسيقى التصويرية لصباحاتهم، يحمل أطفال درعا على أكتافهم النحيلة أعباءً لم تُصنع لها ظهورهم بعد. ففي شوارع المدينة التي ما زالت تئن تحت وطأة آثار الحرب وصرخة الاقتصاد المنهار، لم يعد مشهد الأطفال وهم يحملون صناديق البيع أو يمسكون بأدوات العمل في ورشات البناء والمخابز مشهداً عابراً، بل تحوّل إلى ظاهرة يومية تروي قصة جيلٍ يُسلب طفولته تحت وطأة الفقر والجوع.

تقف “أم علي”، وهي أم لأربعة أطفال، على نافذة منزلها المتصدع في حي الطفولة بدرعا البلد، تتطلع بعينين دامعتين إلى طفليها الصغيرين وهما يتجهان إلى عملها في أحد مخابز المدينة. تقول بلهجة مليئة بالألم: “ابني البكر لم يكمل العاشرة من عمره، لكنه أصبح عائل الأسرة بعد أن فقد والده خلال الحرب. أعلم أن الطفولة يجب أن تكون للدراسة واللعب، ولكن الخيارات هنا محدودة.. إما أن نعمل جميعاً أو نجع”.

وتضيف: “في السابق، كنا نخاف على أطفالنا من القذائف والرصاص، واليوم نخاف عليهم من الجوع والمرض. المدرسة أصبحت حلمًا بعيد المنال عندما يكون الثمن هو حرمان الأسرة من قوت يومها”.

أما أبو ياسر، الذي يعمل حارساً في إحدى المدارس، فيشير إلى تحوّل مثير للألم في واقع المدينة: “قبل سنوات، كنا نحارب لتأمين مقعد دراسي لكل طفل، اليوم نحارب لتأمين رغيف خبز لهم. انظر حولك، ستجد أطفالاً في سن الزهور يعملون في ورشات الحدادة، يجمعون الخضار من الأسواق، أو يبيعون السجائر والمشروبات على الطرقات. لقد أصبحت عمالة الأطفال جزءاً من مشهد درعا اليومي، وكأنها قدر لا مفر منه”.

وفي إحدى ورشات تصليح السيارات في منطقة غصم، يقف محمد (12 عاماً) محاولاً إمساح وجهه المتسخ بزيت المحركات بينما يحمل أداة ثقيلة في يده. يقول محمد، الذي ترك المدرسة منذ عامين: “أعمل هنا من السابعة صباحاً حتى الخامسة مساءً. أحلم بالعودة إلى المدرسة، لكن والدي مريض ولا يستطيع العمل، وأخوتي الصغار يحتاجون إلى الطعام والدواء”.

لا تقتصر معاناة هؤلاء الأطفال على ساعات العمل الطويلة أو الظروف القاسية، بل تمتد إلى حرمانهم من أبسط حقوقهم في التعليم واللعب والحماية. فالكثير منهم يعملون في مهن خطرة دون أي تأمين صحي أو حقوق عمل، مما يعرضهم لإصابات ومخاطر دائمة.

وفي شارع الثورة، أحد الشوارع الرئيسية في المدينة، يتجول أحمد (9 أعوام) حاملاً صندوقاً خشبياً صغيراً يبيع فيه المناديل الورقية والحلويات. يقول أحمد: “أجمع النقاط كل يوم لأعطيها لأبي، فهو عاطل عن العمل ونحن نعيش في غرفة واحدة مع جدي”. عندما سُئل عن حلمه، أجاب على الفور: “أريد أن أصبح طبيباً كي أعالج والدي”، قبل أن يعود مسرعاً إلى بيع بضاعته بين السيارات المتوقفة.

ورغم أن القوانين المحلية والدولية تحظر عمالة الأطفال وتحمي حقهم في التعليم، إلا أن الواقع في درعا يخبر قصة مختلفة. فالأزمة الاقتصادية الخانقة، مع ارتفاع معدلات البطالة والفقر، دفع بالعديد من الأسر إلى كسر القوانين والمحظورات من أجل تأمين لقمة العيش.

تقول الناشطة الاجتماعية رنا الحسن، التي تعمل مع منظمة محلية تهتم بشؤون الأطفال: “نواجه معضلة حقيقية. من ناحية، ندرك تماماً الآثار الكارثية لعمالة الأطفال على نموهم النفسي والجسدي، ومن ناحية أخرى نعجز عن تقديم بدائل حقيقية للأسر التي تجد في دخل أطفالها شريان حياة”.

وتضيف: “الحل ليس في منع عمالة الأطفال فقط، بل في معالجة الأسباب الجذرية لهذه الظاهرة. نحتاج إلى برامج دعم اقتصادي حقيقية، وتوفير فرص عمل للكبار، وضمان حق التعليم المجاني والجيد لكل طفل. بدون ذلك، سنظل ندور في حلقة مفرغة”.

في أحياء درعا التي ما زالت تحمل ندوب الحرب، أصبح الأطفال جنوداً مجهولين في معركة البقاء على قيد الحياة. هم لا يحملون البنادق، بل يحملون صناديق البيع وأدوات العمل، لكنهم يدفعون ثمناً باهظاً من طفولتهم ومستقبلهم. وقصتهم ليست مجرد أرقام وإحصاءات، بل هي شاهد حي على إخفاق المجتمع الدولي والمحلي في حماية براءة الأطفال وضمان مستقبل أفضل لجيل كامل نشأ بين ركام الحرب ومرارة الفقر.

- Advertisement -

- Advertisement -