لكل السوريين

تجارة المياه تنتعش بدمشق.. ضبط صهاريج تبيع “مياه مسابح”!

دمشق/ مرجانة إسماعيل

في ظل أزمة المياه المتفاقمة التي تشهدها العاصمة السورية دمشق منذ أشهر، برزت ظاهرة جديدة أثارت قلق السكان والجهات الرقابية على حد سواء، وهي تجارة المياه عبر الصهاريج الخاصة. هذه التجارة، التي بدأت كحل مؤقت لتعويض انقطاع المياه من الشبكة العامة أو ضعف ضخها، تحولت اليوم إلى سوق موازٍ يتحكم فيه تجار جدد، يفرضون أسعارهم وفق العرض والطلب، مستفيدين من حاجة الأهالي الماسة للمياه، في ظل تقنين حاد بلغ في بعض المناطق حدود ساعتين من الضخ يومياً فقط. لكن المفاجأة التي زادت من غضب الأهالي ورفعت مستوى الخطر الصحي، كانت اكتشاف قيام بعض الصهاريج ببيع مياه ملوثة أو غير صالحة للشرب، وصلت في حالات عدة إلى حد استخدام مياه المسابح الخاصة وإعادة بيعها للمنازل على أنها مياه للشرب أو الاستعمال المنزلي.

القضية لم تعد مجرد شكوى من غلاء أسعار المياه المباعة عبر الصهاريج، بل تحولت إلى ملف أمني وصحي بعد ضبط عدة صهاريج وهي تنقل مياه غير مطابقة للمواصفات، مصدرها أحواض سباحة أو آبار مخالفة غير خاضعة للفحص الدوري. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام محلية، فإن مديرية حماية المستهلك في دمشق بالتعاون مع مؤسسة المياه والجهات المختصة تمكنت مؤخراً من حجز عدد من الصهاريج ومصادرة حمولتها، بعد التأكد من أن مصدر المياه ليس من الشبكة النظامية، وإنما من مسابح خاصة جرى سحبها وإعادة بيعها بأسعار تتراوح بين 100 ألف و150 ألف ليرة للبرميل الواحد، وهو مبلغ يفوق بكثير قدرة معظم العائلات التي تعيش على رواتب بالكاد تصل إلى 500 ألف ليرة.

هذا الواقع المأزوم يسلط الضوء على جانب مظلم من أزمة المياه في دمشق، حيث تحولت الحاجة الأساسية إلى مادة للمضاربة والاحتكار، وسط غياب آليات رقابية فعالة. فبينما تؤكد الجهات الرسمية أنها تعمل على تنظيم عمل الصهاريج ومنح تراخيص محدودة لها وفق شروط صحية، يشير مواطنون إلى أن عدد الصهاريج العاملة بشكل غير شرعي يتضاعف يومياً، ما يجعل أي جهود للرقابة قاصرة عن تغطية العاصمة المترامية الأطراف. والأخطر من ذلك أن بعض هذه الصهاريج باتت مرتبطة بما يشبه “مافيات المياه”، حيث يتم التنسيق مع أصحاب الآبار الخاصة أو المسابح لتعبئة الصهاريج سراً مقابل مبالغ مالية كبيرة، ثم إعادة توزيعها في الأحياء العطشى.

إحدى السيدات في حي الميدان تحدثت قائلة إن عائلتها اضطرت لشراء المياه من الصهاريج ثلاث مرات خلال الأسبوع الماضي، بتكلفة تجاوزت نصف راتب زوجها، ورغم ذلك تبين لاحقاً أن المياه غير صالحة للشرب بعد ظهور روائح غريبة منها. وأضافت أن شكاواها للبلدية لم تجد أي صدى، وأنها لم تتلق سوى وعود بزيادة ساعات الضخ دون تنفيذ فعلي. أما في حي المزة، فقد انتشرت مقاطع مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر قيام بعض الصهاريج بملء خزانات المنازل مباشرة بمياه خضراء اللون، ما أثار موجة سخرية وغضب في آن واحد، حيث اعتبرها السكان “فضيحة صحية” تهدد حياة الأطفال وكبار السن.

من جانبها، أصدرت وزارة التجارة الداخلية بياناً أكدت فيه أنها ستكثف دوريات الرقابة على عمل الصهاريج، وستفرض غرامات مالية كبيرة على كل من يثبت تورطه ببيع مياه غير نظامية. وأشارت الوزارة إلى أن بعض المخالفين أُحيلوا إلى القضاء بجرم “الغش” وتعريض الصحة العامة للخطر. ورغم هذه الإجراءات، فإن خبراء يرون أن المشكلة أعمق من مجرد ضبط صهريج هنا أو هناك، إذ ترتبط مباشرة بغياب حلول جذرية لأزمة المياه في العاصمة، حيث تراجع مستوى الموارد المائية بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة بسبب الجفاف وضعف البنية التحتية وتأخر مشاريع الصيانة.

اللافت أن تجارة المياه لم تعد تقتصر على الصهاريج الجوالة فقط، بل ظهرت أيضاً أسواق إلكترونية على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يعرض تجار المياه خدماتهم بشكل علني، محددين أسعار النقل والكميات المتاحة، في مشهد يعكس حجم الفوضى والطلب الكبير. ويشير متابعون إلى أن هذه التجارة باتت تشبه في تنظيمها تجارة المحروقات في السوق السوداء، مع فارق أن المياه سلعة لا غنى عنها، ما يضاعف من خطورة استغلالها.

على الجانب الصحي، يحذر الأطباء من كارثة وشيكة إذا استمرت عمليات تزويد المنازل بمياه ملوثة، حيث قد تؤدي إلى تفشي أمراض معوية والتهابات خطيرة، خصوصاً بين الأطفال. وأكدت نقابة الأطباء أن المستشفيات في دمشق استقبلت بالفعل عدداً متزايداً من الحالات التي تعاني من أعراض مرتبطة بتلوث المياه، مثل الإسهال والتسمم المعوي، وهو ما يرفع مستوى القلق العام.

ومع تزايد الشكاوى، يبقى السؤال الأساسي: هل تستطيع السلطات ضبط هذا السوق المتنامي ووضع حد لاستهتار بعض التجار بحياة الناس؟ أم أن تجارة المياه ستصبح جزءاً من المشهد اليومي للعاصمة كما حدث مع المحروقات والخبز؟ ما هو مؤكد أن استمرار الأزمة دون حلول عملية سيزيد من تغوّل هذه التجارة، ويجعل من الحصول على مياه نظيفة امتيازاً لا يناله إلا من يملك المال، فيما يبقى الفقراء عالقين بين العطش والخطر الصحي الداهم.

بهذا الشكل، تتحول أزمة المياه في دمشق من مشكلة خدمية إلى قضية تمس الأمن الصحي والاجتماعي، وسط مخاوف من أن يؤدي غياب الحلول المستدامة إلى تفاقم الاستغلال والفساد، ويجعل من مشهد صهاريج “مياه المسابح” علامة فارقة على عمق الأزمة التي تعصف بالعاصمة المنهكة.

- Advertisement -

- Advertisement -