3.7 مليارات دولار أنفقتها سوريا خلال ستة أشهر.. أين ذهبت الأموال ولماذا لا تظهر المشاريع؟
قفزة الإنفاق تحوّل فائض الموازنة إلى عجز.. والأرقام الرسمية تفتح أسئلة أكبر من حجم العجز
لم تعد القضية الاقتصادية في سوريا مرتبطة فقط بحجم الإيرادات التي تدخل خزينة الدولة، بل بات السؤال الأكثر إلحاحاً متعلقاً بالوجهة التي تذهب إليها هذه الأموال، ومدى انعكاسها على حياة المواطنين وعلى الخدمات والبنية التحتية والمشاريع الإنتاجية.
فبحسب أحدث بيانات وزارة المالية السورية، أنفقت الحكومة خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 3.7 مليارات دولار، مقابل إيرادات بلغت نحو 2.695 مليار دولار، ما أدى إلى تسجيل عجز يقارب 1.005 مليار دولار خلال ستة أشهر فقط. والأكثر لفتاً أن الإنفاق ارتفع بنسبة 331% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما ارتفعت الإيرادات بنسبة 111%.
الأرقام تبدو كبيرة في بلد ما تزال مدنه ومناطقه تعاني من أزمات الكهرباء والمياه والطرق والصحة والتعليم والسكن، فيما لم تبدأ، وفق ما يظهر في المشهد العام، مشاريع كبرى قادرة على تفسير الحجم الهائل للإنفاق العام.
أين ذهب الإنفاق؟
تقدم وزارة المالية أربعة أبواب رئيسية للإنفاق خلال الأشهر الستة الأولى.
الرواتب والأجور والتعويضات والمزايا استحوذت على نحو 1.339 مليار دولار، أي 36% من إجمالي الإنفاق، بينما بلغت النفقات الإدارية نحو 1.025 مليار دولار، بما يعادل 28%.
أما الإنفاق الاستثماري فسجل نحو 1.021 مليار دولار، أي 28% من إجمالي الإنفاق، في حين بلغ الإنفاق على الدعم والضمان الاجتماعي نحو 315 مليون دولار، أو 9%.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية. فإذا كانت الرواتب والنفقات الإدارية وحدهما استهلكتا أكثر من 2.36 مليار دولار خلال نصف عام، فإن السؤال يصبح مشروعاً: هل تحتاج الدولة في مرحلة إعادة الإعمار إلى هذا الحجم من الإنفاق الجاري، أم أن الجزء الأكبر من مواردها يجب أن يتحول إلى استثمارات منتجة تعيد تشغيل الاقتصاد وتخلق فرص العمل وتخفض فاتورة الاستيراد؟
الإنفاق الاستثماري.. أين أثر المليار دولار؟
تقول البيانات الرسمية إن الإنفاق الاستثماري وصل إلى نحو 1.021 مليار دولار خلال النصف الأول، مع تنفيذ 35% من مخصصاته السنوية.
لكن الرقم وحده لا يكفي.
فالإنفاق الاستثماري الحقيقي لا يقاس بحجمه في الجداول المالية، وإنما بما ينتجه على الأرض: محطة كهرباء جديدة، شبكة مياه، طريق، مستشفى، مدرسة، مصنع، مشروع زراعي، شبكة صرف صحي أو بنية تحتية تفتح الباب أمام استثمارات أخرى.
وهنا تبرز الحاجة إلى كشف أكثر تفصيلاً من مجرد تصنيف الأموال تحت بند «استثماري».
ما المشاريع التي موّلتها الدولة؟ كم بلغت كلفة كل مشروع؟ أين يقع؟ ما نسبة إنجازه؟ من هي الجهات المنفذة؟ وما المبلغ الذي دُفع فعلياً لكل مشروع؟
هذه البيانات هي التي يستطيع المواطن من خلالها معرفة أين ذهبت أموال الموازنة.
فليس كافياً القول إن مليار دولار تقريباً أنفقت استثمارياً، إذا لم يعرف المواطن ماذا أُنجز بهذا المبلغ.
ارتفاع الإيرادات لا يفسر ارتفاع الإنفاق
المفارقة الأخرى أن الحكومة لم تكن تعاني خلال النصف الأول من انهيار الإيرادات.
على العكس، ارتفعت الإيرادات العامة إلى نحو 2.695 مليار دولار، مقارنة بـ1.280 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025. وكانت الجمارك المصدر الأكبر للإيرادات بـ1.079 مليار دولار، تلتها عوائد استثمارات الدولة بنحو 763 مليون دولار، ثم النفط والغاز بنحو 601 مليون دولار.
أي أن الخزينة جمعت أموالاً أكثر بكثير من العام الماضي، لكن الإنفاق نما بسرعة أكبر، فتحول فائض النصف الأول من 2025 البالغ نحو 422 مليون دولار إلى عجز يتجاوز مليار دولار في النصف الأول من 2026.
وهذا يعني أن المشكلة لا تكمن فقط في ضعف الموارد، وإنما في سرعة توسع الإنفاق العام وطبيعته.
المواطن لا يرى «المليار الاستثماري»
في اقتصاد خرج من سنوات طويلة من الحرب والدمار، يمكن تبرير ارتفاع الإنفاق إذا كان موجهاً بصورة واضحة إلى إعادة بناء القطاعات الإنتاجية والخدمات الأساسية.
لكن عندما تبقى الكهرباء في أزمة، وتحتاج شبكات المياه إلى إعادة تأهيل، وتعاني الطرق من التدهور، وتبقى المستشفيات والمدارس بحاجة إلى تجهيز، فإن المواطن سيطرح سؤالاً بسيطاً:
أين نتائج الإنفاق؟
ليس المقصود أن كل دولار يُنفق يجب أن يتحول فوراً إلى مشروع مرئي؛ فالرواتب والنفقات التشغيلية ضرورية لاستمرار الدولة، كما أن إعادة بناء المؤسسات تحتاج إلى إنفاق إداري. لكن ارتفاع النفقات الإدارية إلى أكثر من مليار دولار خلال ستة أشهر يجعل التدقيق في تفاصيل هذا الباب ضرورة اقتصادية، لا مجرد انتقاد سياسي.
الرواتب وحدها لا تبني اقتصاداً
من الطبيعي أن تؤدي زيادة الرواتب إلى ارتفاع فاتورة الأجور، خصوصاً بعد الإجراءات التي بدأت في مايو. لكن الرواتب، مهما كانت ضرورية اجتماعياً، لا تنتج وحدها نمواً مستداماً.
الاقتصاد يحتاج إلى دورة مختلفة: إنفاق حكومي → مشروع إنتاجي → فرص عمل → إنتاج → ضرائب وإيرادات → استثمار جديد.
أما إذا ذهبت معظم الموارد إلى الإنفاق الجاري، فإن الدولة ستحتاج باستمرار إلى إيرادات جديدة لتمويل المصروفات نفسها.
وهذا يفسر خطورة التحول السريع إلى العجز، خصوصاً أن وزارة المالية أعلنت تمويل العجز من خلال تمويل استثماري قصير الأجل يستحق خلال عام.
ما المطلوب من الحكومة؟
المطلوب ليس فقط إعلان حجم الإنفاق، وإنما نشر خريطة الإنفاق العام.
فإذا كانت الدولة قد أنفقت أكثر من 3.7 مليارات دولار في ستة أشهر، فمن حق المواطن معرفة:
أسماء المشاريع التي حصلت على تمويل.
تكلفة كل مشروع.
الجهة المنفذة والمشرفة.
نسبة الإنجاز الفعلية.
قيمة الدفعات التي صُرفت.
المشاريع المتوقفة وأسباب توقفها.
حجم الإنفاق الإداري وتفاصيله.
الأموال التي صُرفت على مؤسسات الدولة الجديدة.
وما إذا كانت هناك فروقات كبيرة بين الكلفة التقديرية والكلفة النهائية للمشاريع.
هذه التفاصيل لا تعني اتهام الحكومة بالفساد، لكنها تمثل الحد الأدنى من الشفافية المالية في مرحلة يُطلب فيها من المواطن تحمل الضرائب والرسوم والجمارك، بينما تتحمل الدولة مسؤولية إثبات أن الأموال العامة تتحول إلى خدمات ومشاريع وفرص عمل.
المعركة الحقيقية ليست مع العجز فقط
العجز البالغ نحو مليار دولار خلال نصف عام هو رقم مقلق، لكن المشكلة الأعمق قد تكون في نوعية الإنفاق.
فإذا كان العجز ناتجاً عن تمويل مشاريع بنية تحتية ومصانع ومحطات كهرباء وشبكات مياه ومشاريع زراعية، فقد يكون جزءاً من تكلفة إعادة بناء اقتصاد قادر على إنتاج إيرادات مستقبلاً.
أما إذا كان الجزء الأكبر من الأموال يذهب إلى الرواتب والنفقات التشغيلية والإدارية دون توسع موازٍ في الإنتاج والاستثمار الحقيقي، فإن العجز يتحول من أداة مؤقتة لإعادة الإعمار إلى عبء متكرر على الموازنة.
وفي سوريا، حيث تتحدث الحكومة عن موازنة سنوية تبلغ نحو 10.5 مليارات دولار، وإيرادات مقدرة بنحو 8.7 مليارات دولار مقابل نفقات تتجاوز 10.5 مليارات، فإن السؤال لم يعد: كم أنفقت الدولة؟ بل أصبح: ماذا أنتج هذا الإنفاق؟
فالاقتصاد السوري لا يحتاج إلى إنفاق أكبر فقط، بل إلى إنفاق يمكن للمواطن أن يراه ويقيس أثره.
وإذا كانت الحكومة تريد استعادة الثقة، فإن أفضل إجابة عن سؤال «أين ذهبت الأموال؟» ليست بياناً مالياً جديداً، وإنما مشاريع مكتملة، طرقاً أفضل، كهرباء أكثر، مياه متاحة، مستشفيات مجهزة، مصانع تعمل، وزراعة تنتج.
عندها فقط يتحول الإنفاق العام من أرقام ضخمة في الموازنة إلى قيمة حقيقية في حياة السوريين.