مخلفات الحرب تعرقل الزراعة والإعمار وعودة النازحين.. وفرق دولية تعمل على تطهير الأراضي وسط اتساع الحاجة إلى خرائط دقيقة وتمويل طويل الأمد
لم تنتهِ الحرب بالنسبة إلى آلاف السوريين بخروج آخر المقاتلين من مناطقهم أو عودة السكان إلى منازلهم. ففي أماكن كثيرة، بقيت الحرب مدفونة تحت التراب، داخل الحقول وعلى جوانب الطرق، وفي المنازل المهدمة والمدارس والقرى التي غادرها أهلها لسنوات.
لغم واحد أو قذيفة لم تنفجر أو عبوة مخفية قد تكون كافية لتحويل عودة عائلة إلى مأساة، أو منع مزارع من الوصول إلى أرضه، أو إيقاف مشروع لإعادة تأهيل طريق أو شبكة كهرباء.
وبينما تتجه سوريا إلى مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، تتحول إزالة الألغام ومخلفات الحرب إلى واحدة من أكثر المهمات إلحاحاً، ليس باعتبارها قضية أمنية وإنسانية فقط، وإنما باعتبارها شرطاً أساسياً لعودة الحياة إلى مناطق واسعة من البلاد.
وتعمل في هذا الملف جهات دولية متخصصة، أبرزها منظمة HALO Trust، إلى جانب الأمم المتحدة وشركاء آخرين، بالتوازي مع جهود السلطات السورية لتطوير قدرة وطنية على إدارة ملف إزالة الألغام.
آلاف الضحايا.. والحرب التي لم تنتهِ
تكشف الأرقام حجم المشكلة.
فبحسب دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام UNMAS، سجلت منظمة السلامة الدولية للمنظمات غير الحكومية أكثر من 920 حادثة مرتبطة بالذخائر المتفجرة في سوريا خلال الفترة الممتدة من 8 كانون الأول 2024 حتى نهاية كانون الأول 2025، أدت إلى 607 وفيات و1070 إصابة، بينهم عدد كبير من الأطفال.
وكانت المناطق الزراعية ومناطق الرعي من أكثر الأماكن تعرضاً للحوادث، إذ وقعت 567 حادثة في هذه المناطق، أسفرت عن 364 وفاة و595 إصابة. وتصدرت محافظات دير الزور وحلب وإدلب قائمة المناطق الأكثر تضرراً وفق البيانات الأممية.
أما الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فقد وثقت مقتل ما لا يقل عن 3799 مدنياً نتيجة انفجارات الألغام ومخلفات الذخائر العنقودية في سوريا بين آذار 2011 ونيسان 2026، بينهم نحو ألف طفل و377 امرأة.
والأخطر أن الخطر لم يتوقف بعد انتهاء العمليات العسكرية الكبرى؛ إذ وثقت الشبكة مقتل 329 مدنياً، بينهم 65 طفلاً، منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 وحتى نيسان 2026. كما سجلت الشبكة وفاة 47 شخصاً أثناء عمليات إزالة الألغام نفسها، ما يعكس خطورة المهمة التي تقوم بها فرق التطهير.
لماذا تبدو إزالة الألغام أبطأ من انتشارها؟
المشكلة لا تتعلق فقط بعدد الألغام.
فالحرب السورية امتدت لأكثر من عقد، وتغيرت خطوط التماس والسيطرة مرات عديدة، كما استخدمت أطراف مختلفة أنواعاً متعددة من الذخائر والعبوات، بعضها معروف وبعضها الآخر مجهول المصدر أو المكان.
وفي بعض المناطق، لا توجد خرائط دقيقة للحقول الملغمة، بينما تعرضت مواقع أخرى للقصف أو السيول أو عمليات البناء والهدم، ما أدى إلى تغيير طبيعة الأرض ومواقع بعض المخلفات.
وتشير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إلى أن خرائط ألغام أنشأها النظام السابق متاحة في بعض الحالات، لكن استخدام نظام إحداثيات خاص جعل تحديد مواقع الألغام أكثر تعقيداً بالنسبة لفرق الإزالة.
وتزداد المشكلة تعقيداً في المناطق التي تعرضت للسيول، إذ يمكن للمياه أن تحرك بعض المخلفات أو تغير معالم المناطق التي سبق تحديدها كمواقع خطرة.
وفي دير الزور تحديداً، أشار تقرير لمنظمة أطباء بلا حدود إلى أن الفيضانات التي شهدتها المنطقة خلال آذار ونيسان 2026 رفعت مخاطر تحرك الألغام ومخلفات الحرب، بما يجعل الاعتماد على المواقع التي جرى تحديدها سابقاً أكثر صعوبة.
«هالو».. فريق دولي في مواجهة الخطر
منظمة HALO Trust تعمل في سوريا منذ عام 2017، وتنفذ عمليات إزالة للذخائر والمتفجرات إلى جانب برامج التوعية بمخاطرها.
وتقول المنظمة إن فرقها دمرت في سوريا أكثر من 12,348 قطعة من الأجهزة والمتفجرات، فيما تلقى أكثر من 741 ألف شخص تدريبات حول كيفية البقاء في أمان أمام مخاطر الذخائر المتفجرة.
لكن المنظمة تؤكد أن حجم التلوث في سوريا يتجاوز قدرة أي جهة منفردة على التعامل معه بسرعة.
وتشير تقديرات HALO وقطاع العمل الإنساني المتخصص بالألغام إلى أن 2223 شخصاً قتلوا أو أصيبوا جراء المتفجرات حتى أيار 2026، بعد 17 شهراً فقط من سقوط النظام السابق.
وهذا يعني أن إزالة الألغام ليست عملية قصيرة يمكن إنجازها خلال أشهر، بل مشروع طويل الأمد يحتاج إلى فرق متخصصة ومعدات وتمويل وخرائط وقواعد بيانات وتدريب مستمر.
من تنظيف الأرض إلى إعادة بناء الدولة
تتجاوز مهمة فرق إزالة الألغام مجرد العثور على جسم متفجر وتفجيره.
ولهذا السبب، فإن السكان المحليين يمثلون مصدراً مهماً للمعلومات.
فالفلاح الذي يعرف أن منطقة معينة كانت خط تماس، أو أن مدرسة تعرضت للقصف، أو أن منزلاً كان يستخدم كموقع عسكري، يمكن أن يقدم معلومات تساعد الفرق المختصة في تحديد المناطق الأكثر خطراً.
لكن المعلومات الشعبية وحدها لا تكفي، إذ تحتاج فرق التطهير إلى إجراءات فنية دقيقة قبل إعلان الأرض آمنة.
دير الزور.. الأرض التي تخفي الموت
تعد دير الزور من أكثر المحافظات التي تظهر فيها العلاقة بين الألغام وعودة السكان.
فمساحات واسعة من المحافظة كانت لسنوات مناطق قتال، فيما بقيت مخلفات الحرب في الأراضي الزراعية والمنازل والطرق والمناطق الصحراوية.
وأفاد تقرير لمنظمة أطباء بلا حدود بأن بيانات منظمة السلامة الدولية للمنظمات غير الحكومية سجلت 227 حادثة مرتبطة بالذخائر المتفجرة في دير الزور وحدها منذ كانون الأول 2024، من أصل 1208 حوادث على مستوى سوريا حتى أيار 2026.
وأشار التقرير إلى استمرار وجود مخلفات متفجرة في مناطق مثل المريعية قرب المطار العسكري السابق، والبادية، ومنطقة القرى السبع بين الجنينة والطابية شرق الفرات، إضافة إلى وجود ذخائر غير منفجرة داخل المنازل المتضررة والمهجورة في البوكمال وهجين.
وتتحول المشكلة في هذه المناطق إلى مأزق يومي؛ فالعائلة العائدة تحتاج إلى تنظيف المنزل، والمزارع يريد حراثة أرضه، والرعاة يريدون الوصول إلى المراعي، فيما يمكن أن يكون أي جسم معدني أو حفرة أو قطعة مجهولة مصدراً لخطر قاتل.
إدلب وحماة واللاذقية.. خرائط الخطر تتسع
لا تقتصر المشكلة على شرق سوريا.
ففي إدلب، ما زالت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية مقيدة بسبب مخلفات الحرب، بينما وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 61 شخصاً بسبب الألغام في المحافظة بين سقوط النظام السابق ونيسان 2026، إضافة إلى ثلاثة أشخاص قتلوا جراء مخلفات الذخائر العنقودية.
وفي حماة، أظهرت بيانات نقلتها وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أن 55% من المخبرين الرئيسيين الذين شملهم تقييم للمنظمة الدولية للهجرة في كانون الثاني 2026 أبلغوا عن وجود ألغام أو ذخائر غير منفجرة في المحافظة.
كما وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 45 مدنياً بسبب الألغام في حماة بين كانون الأول 2024 ونيسان 2026، إضافة إلى ستة قتلى جراء مخلفات القنابل العنقودية.
أما ريف اللاذقية، فقد شهد أيضاً حوادث دامية خلال عمليات التطهير نفسها؛ إذ أشارت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إلى مقتل ثلاثة أشخاص في انفجار وقع أثناء عملية إزالة ألغام في ريف المحافظة في شباط 2026.
وهذه الحوادث تكشف مفارقة مؤلمة: الفرق التي تحاول إزالة الموت من الأرض يمكن أن تصبح هي نفسها ضحايا له.
الخطر الأكبر على الأطفال
في كثير من المناطق السورية، لا يعرف الأطفال الفرق بين جسم متفجر وجسم معدني عادي.
وقد تكون بعض المخلفات بأشكال وأحجام مختلفة، أو تكون مدفونة جزئياً، أو تظهر في أماكن اللعب والرعي والحقول.
وتشير بيانات UNMAS إلى أن الأطفال يمثلون نسبة كبيرة من ضحايا الذخائر المتفجرة، في حين تؤكد المنظمة أن الاعتماد المتزايد على الرعي وجمع الخردة والعودة إلى الأراضي الزراعية يرفع مستوى تعرض المدنيين للخطر.
الألغام تعطل الزراعة.. وتؤجل الإعمار
الخطر لا يقاس بعدد الضحايا فقط.
فالأرض الملوثة بالألغام لا يمكن استثمارها بسهولة، والمزارع الذي يخشى دخول حقله قد يتركه، ما يعني خسارة محصول وفرصة عمل ودخل لعائلة كاملة.
كما أن مشاريع الطرق وشبكات الكهرباء والمياه وإعادة بناء المدارس والمراكز الصحية قد تتأخر بسبب الحاجة إلى التأكد من سلامة الأرض.
ولهذا تعتبر الأمم المتحدة إزالة الألغام شرطاً أساسياً لعملية التعافي السورية.
وأطلقت الأمم المتحدة في نيسان 2026 فيلماً وثائقياً حول عمليات إزالة الألغام في سوريا، مؤكدة أن تطهير الأراضي يساهم في إعادة الناس إلى الزراعة وفتح الأعمال وإعادة الأطفال إلى المدارس، وأن العمل في مجال الألغام يمثل شرطاً أساسياً للاستجابة الإنسانية والتعافي المبكر وإعادة الإعمار والتنمية.
من «أرض ملغمة» إلى أرض قابلة للحياة
في النهاية، لا يتعلق ملف إزالة الألغام بانتزاع أجسام معدنية من التراب فقط.
إنه يتعلق بإعادة فتح طريق مغلق، وإعادة طفل إلى مدرسته، وتمكين مزارع من دخول حقله، وإعادة عائلة إلى منزلها، وإطلاق مشروع كهرباء أو مياه، وإعادة قرية إلى خريطة الحياة.
لكن المهمة تبقى محفوفة بالمخاطر، وتحتاج إلى تعاون وثيق بين الحكومة السورية والفرق الدولية والمنظمات الإنسانية والمانحين والسكان المحليين.
فالحرب تركت وراءها ما هو أبعد من الركام والدمار؛ تركت ألغاماً لا تزال قادرة على قتل السوريين بعد سنوات من انتهاء المعارك.
وفي بلد يستعد لإعادة البناء، قد تكون إزالة الألغام هي الخطوة الأولى في إعادة بناء الثقة بين الإنسان والأرض.
فلا يمكن إعادة إعمار سوريا فوق أرض غير آمنة، ولا يمكن أن تبدأ عودة السوريين الكاملة قبل أن تصبح الطرق والحقول.