لكل السوريين

الشيخ مقصود والأشرفية.. مقاومة الحصار المتكرر حتى النصر

سوزدار رزكار – حلب

يقاوم أهالي حي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب شمالي سوريا، هجمات طرفي الصراع في سوريا منذ بدء الحرب التي شهدتها البلاد والقصف العشوائي والحصار، وباتا حصناً منيعاً لم يستطع أحد اختراقه إلى يومنا هذا.

لم يكن حيا الشيخ مقصود والأشرفية في حلب ذوا الأغلبية الكردية مجرد منطقتين سكنيتين، بل شكلا نموذجاً للمقاومة الشعبية والتكاتف المجتمعي في وجه الحصار والتجويع، منذ اندلاع الحرب السورية في عام 2011 بسبب موقعهما الجغرافي الحيوي المطل على مختلف أحياء المدينة، تحولا إلى ساحة صراع مفتوحة لكل الأطراف، ورغم ذلك، لم يتخل سكانهما عنهما، بل شاركوا جميعاً في الدفاع والنضال، لتتحول شرارة المعارك إلى “حرب شعب ثورية” بفضل تماسك الأهالي والمقاتلين.

ملاذ آمن للجميع

ورغم شراسة الهجمات التي طالت الحيين، ظل حي الشيخ مقصود خاصة ملاذاً آمناً لمكونات الشعب المختلفة الأرمن، والمسيحيين، والتركمان، والعرب، والكرد، كما لجأت إليه مئات العائلات النازحة من الأحياء الشرقية في حلب، وشكل الحيان نموذجاً مصغراً للتعايش بين المكونات، ليس فقط من حيث السكان، بل أيضاً من حيث المشاركة الفاعلة في مؤسساتهما الخدمية والتنظيمية والاجتماعية.

هذا النموذج المتميز في التلاحم والصمود شكل صفعة لسياسات النظام السابق والجهات المتشددة من فصائل المعارضة التي سعت لإفشال المشروع الديمقراطي وأخوة الشعوب دون جدوى.

الحصار… قصة متجددة

ففي صيف عام 2012، ومع اشتداد الاشتباكات بين قوات النظام والمعارضة في حلب ومحيطها، قُطعت الطرق المؤدية إلى الحيين، ما أدى إلى نقص حاد في المواد الغذائية، حينها سعى المجلس الشعبي في الحيين إلى تأمين مادة الطحين عبر إرسال شاحنات إلى إحدى المطاحن شرق المدينة، ترافقها لجان الحماية المدنية، لكن قوات النظام أطلقت النار على القافلة، ما أدى إلى وفاة ثلاثة شبان وجرح عشرة آخرين.

ورداً على هذا الهجوم، شنت وحدات حماية الشعب في 27 تموز 2012 هجوماً على حواجز النظام في محيط حيي الأشرفية والشيخ مقصود، وأسفر الهجوم عن مقتل أكثر من 20 عنصراً من القوات الحكومية، وفقاً لبيان رسمي.

وفي أيلول 2015، فرضت بعض فصائل المعارضة حصاراً خانقاً على حي الشيخ مقصود، مانعة إدخال المواد الإغاثية والطبية والمحروقات، مع قصف عشوائي استمر لأشهر، ومنذ ذلك الوقت، بات الحيان يتعرضان لحصارات متكررة ومتقطعة.

وفي شهر رمضان من عام 2022، فرضت الفرقة الرابعة المعروفة بانتهاكاتها والتابعة لقوات النظام حصاراً مشدداً على الحيين، ومنعت دخول المواد الأساسية كالمحروقات والطحين، أو سمحت بدخولها بكميات قليلة بعد فرض الإتاوات أو سرقتها، أدى هذا الحصار إلى توقف جميع الأفران، ما شكل انتهاكاً واضحاً للقيم والمواثيق الدولية، بل وللقيم الدينية والإنسانية.

استمرت الحصار لأكثر من 5 أشهر، أثّرت ذلك على كافة جوانب الحياة، وخاصة بعد اشتداده بشهر آب من نفس العام التي أدت إلى حالتي وفاة بين الأطفال، لذا لمواجهة الحصار والبرد لجأ الأهالي إلى تكسير أثاث منازلهم لوضعه في المدافئ، إضافة عليها أدت الحصار إلى إلى توقيف المشاريع الخدمية والمعامل.

وعلى إثر الحصار خرج آلاف من سكان الحيين في مظاهرات احتجاجية ضد سياسة التجويع عل إحدى حواجز الفرقة الرابعة، رافعين أصواتهم عالياً، حيث شارك في الاحتجاجات الشيوخ، والنساء، والأطفال، ووجهاء العشائر من مختلف المكونات من الكرد والعرب والتركمان والإيزيديين، ليؤكدوا أن صوت الشعب أقوى من كل محاولات كسر إرادتهم.

تشرين الأول 2025تصعيد جديد

يبدو أن فرض الحصار الاقتصادي وتجويع الأهالي باتت من سلوكيات الحكم في سوريا، فبعد سقوط النظام، وتولي الحكومة السورية الانتقالية السلطة، عاد الحصار من جديد، ففي 6 تشرين الأول 2025، صعدت الحكومة الانتقالية ضد الحيين، فأنشأت سواتر ترابية وأغلقت الطرق المؤدية إليهما مع استقدام قوات عسكرية ومصفحات بهدف الاقتحام، في خرق واضح لاتفاقية الأول من نيسان.

واجه الأهالي هذا التصعيد باحتجاجات سلمية، تكاتفت في ليلتها المئات من أهالي الحيين بصغيرها وكبيرها شبانها ونسائها واطلقوا هتافات الرافضة لهذه السياسيات ومطالبين بسوريا موحدة تضمن جميع المكونات.

قوبلت احتجاجات الأهالي بإطلاق قنابل الغاز من قبل قوات الحكومة الانتقالية، ثم الرصاص الحي، ما أدى إلى وفاة إثنين من المتظاهرين وجرح ستين آخرين، كما فرض حظر كامل على دخول وخروج المدنيين، وقطعت المياه والكهرباء، ومنعت المواد الغذائية والوقود من الوصول إلى الحيين.

مثلما فرضت الحصار على الحيين الشيخ مقصود والأشرفية، سبقها الحصار على الساحل السوري والسويداء، لكن كان لحيين الشيخ مقصود والأشرفية رأي أخر في كسر الحصار.

سر الصمود والانتصار

تكمن قوة الحيين في وعي وتكاتف أبنائهما مع المقاتلين، وفي التنظيم الذاتي والإداري الذي أسسوه رغم كل الظروف، لقد تحولت المقاومة إلى نهج حياة، عنوانها “حرب الشعب الثورية”، التي استطاعت أن تحرر مواقع، وتكسر الحصار، وتنتصر بإرادة من فولاذ.

إن ما واجهه الشيخ مقصود والأشرفية لم يكن مجرد حصار معيشي، بل كان معركة سياسية وشعبية شاملة، خاضها الأهالي بدعم من شعوب شمال وشرق سوريا، وحتى من الجاليات في أوروبا والداخل السوري، وكانت النتيجة رسالة واضحة بإن إرادة الشعوب أقوى من كل أنواع الأسلحة.

لم يتحقق النصر في الشيخ مقصود فقط عبر جبهات القتال، بل من خلال التكاتف المجتمعي بين العرب والكرد والمسيحيين والتركمان، بين المقاتلين والمدنيين، وبين الداخل والخارج، هذا النضال المتواصل لم يحفظ فقط أمن واستقرار الحيين، بل شكّل نموذجاً لما يمكن أن تصنعه الشعوب عندما تتحد في وجه محاولات التغيير الديمغرافي.

فرغم صغر حجمهما الجغرافي، فإن حيي الشيخ مقصود والأشرفية كانا –ولا يزالان– كبيرين بمقاومتهما، ونموذجاً حياً لإرادة لا تنكسر وأعطت درساً عميقاً أكدت فيه أن الحرية تبدأ من الإيمان بقوة المجتمع وقدرته على حماية نفسه وبناء مستقبله.

 

- Advertisement -

- Advertisement -