منذ الإعلان عن نية الحكومة الانتقالية في سوريا تنظيم انتخابات مجلس الشعب السوري، تباينت ردود الأفعال ما بين من اعتبرها خطوة ضرورية لفتح الباب أمام مسار جديد، ومن رأى فيها محاولة لتجميل مشهد سياسي مأزوم يعاني من الانقسام والاضطراب الأمني.
ومع صدور قرار اللجنة العليا للانتخابات بتأجيل الاستحقاق واستثناء محافظة السويداء ومناطق شمال وشرق سوريا بشكل كامل من العملية، بدا أن الانتقادات تزداد وزناً، لتتحول العملية الانتخابية برمتها إلى موضوع جدل سياسي واسع.
انتخابات ناقصة قبل أن تبدأ
اللجنة العليا للانتخابات، التي يرأسها محمد طه الأحمد، أعلنت أن الموعد المبدئي الذي كان محدداً ما بين 15 و20 أيلول الجاري، قد لا يلتزم به بسبب “الإقبال غير المتوقع على الترشح”، مؤكدة أن فترة تقديم الطلبات ستُمدد دون تحديد موعد جديد.
هذا التأجيل المبكر أرسل إشارة سلبية للرأي العام: كيف يمكن لسلطة جديدة تدّعي التنظيم والشفافية أن تعجز عن ضبط أول استحقاق بعد سقوط الأسد؟
الأمر لا يتوقف عند التأجيل فقط، فالسويداء خرجت نهائياً من العملية بحجة سيطرة “جماعات مسلحة خارجة عن سلطة الدولة”، ومع أن الواقع الأمني في المحافظة معقد، إلا أن القرار حرم عشرات الآلاف من السوريين من ممارسة حقهم الدستوري والسياسي، وكرّس فكرة أن الانتخابات انتقائية وجزئية وليست شاملة.
في الشمال الشرقي من البلاد، بدا المشهد أكثر التباساً، فبينما أعلنت اللجنة نيتها إجراء انتخابات “جزئية” في بعض مناطق الرقة والحسكة الخاضعة لاحتلال تركيا وفصائل تابعة لها، لتستثنى مناطق الإدارة الذاتية في إقليم شمال وشرق سوريا، ليبرز أن الحكومة تريد تعيينات لا انتخابات تتوافق مع رؤيتها الانتقائية التي مارست على مدار شهور بعد سقوط النظام.
وحاولت التصريحات الرسمية تبرير هذا الخيار بوجود “ضغوط شعبية من أبناء المحافظتين” و”حرص اللجنة على ضمان حقهم الانتخابي”، لكن الحقيقة أن العملية ستتم فقط في مناطق صغيرة، بينما ستظل مقاعد معلقة بانتظار “ظروف مناسبة”، هذا يعكس أن التمثيل سيكون ناقصاً ومشروطاً، ما يفرغ الانتخابات من مضمونها كممارسة ديمقراطية عامة.
الدروس من الماضي القريب
حين كان نظام بشار الأسد يجري انتخابات مجلس الشعب، كان السوريون ينظرون إليها بوصفها طقساً سياسياً شكلياً يهدف لتجديد الشرعية أكثر من كونه وسيلة لتغيير حقيقي، اليوم وبعد سقوط النظام، كان يُفترض أن تختلف الصورة جذرياً.
ويقول شواخ العلي وهو ناشط سياسي من مدينة الرقة، إن القرارات الأخيرة تعيد إنتاج مشهد مشابه: مناطق كاملة بلا صناديق، مقاعد مضمونة سلفاً، سلطة تحتفظ لنفسها بحق تعيين ثلث الأعضاء، وحديث متكرر عن “النزاهة” دون وجود ضمانات عملية.
ويضيف في تصريحات لصحيفة “السوري”، يبدو أن الوجوه تغيرت، لكن البنية الذهنية للسلطة بقيت على حالها انتخابات محسوبة ومضبوطة، وليست مفتوحة ومنافسة.
ويرى العلي، أن اللجنة العليا للانتخابات لم تقدم أي تفاصيل دقيقة حول كيفية مراقبة الانتخابات، رغم الإشارة إلى أن “منظمات دولية” ستتابع العملية، في ظل غياب جدول زمني واضح وعدم القدرة على ضمان الأمن في مناطق واسعة، تبدو هذه الوعود أقرب إلى محاولة لشراء الوقت والشرعية بدلاً من بناء ثقة حقيقية بين السلطة والشعب.
ويتابع، أن تخصيص 20% من المقاعد للنساء وإضافة 60 مقعداً جديداً لتصبح الحصيلة 210، خطوات قد تبدو تقدمية على الورق، لكنها لا تكفي إذا كان ثلث المقاعد بيد رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع، فكيف يمكن الحديث عن تمثيل حقيقي بينما جزء معتبر من البرلمان يعيّنه رأس السلطة بدلاً من انتخابه شعبياً؟
معركة الشرعية
السلطة الانتقالية تحاول عبر هذه الانتخابات أن تُظهر للداخل والخارج أنها جادة في بناء مؤسسات جديدة، لكن المعركة الحقيقية ليست في الأرقام أو المقاعد، بل في شرعية العملية ذاتها، الشرعية لا تأتي من صناديق اقتراع توضع في نصف البلاد فقط، ولا من تأجيلات متكررة، بل من ثقة عامة بأن العملية شاملة، عادلة، وتسمح لكل السوريين بالمشاركة دون استثناء.
وتحدث نوار نجمة، المتحدث باسم اللجنة، عن أن الحملات الانتخابية ستعتمد على البرامج والمناظرات والسير الذاتية، لكن هذا الطرح يصطدم بالواقع كيف يمكن تنظيم مناظرات علنية في بلد لا تزال أجزاؤه تعيش تحت تهديد القصف الإسرائيلي أو الاشتباكات الداخلية؟ وكيف يمكن للمرشحين أن يخاطبوا جمهوراً لا يستطيع الوصول إلى صناديق الاقتراع أصلاً؟
بالتالي، ستتحول الحملات إلى مهرجانات كلامية داخل المناطق التي تسيطر عليها الحكومة الانتقالية، بعيداً عن نصف البلاد الآخر.
ماذا بعد؟
إذا أصرت السلطة الانتقالية على المضي في هذه الانتخابات دون معالجة هذه الثغرات، فإنها ستجد نفسها أمام برلمان ناقص الشرعية منذ يومه الأول، وسيصبح المجلس الجديد ساحة إضافية للصراع السياسي بدلاً من أن يكون جسراً لحل الخلافات.
في أفضل الأحوال، ستؤدي هذه الانتخابات إلى إنتاج مؤسسة شكلية يمكن للسلطة أن تلوّح بها أمام المجتمع الدولي، لكنها لن تُقنع الشارع السوري بأن هناك تغييراً حقيقياً، وفي أسوأ الأحوال، ستعمّق الانقسام الداخلي وتفتح الباب أمام مقاطعات جديدة.
الانتخابات التي كان يُفترض أن تكون نقطة انطلاق لمرحلة جديدة في سوريا تتحول اليوم إلى مرآة للأزمة المستمرة، فبدلاً من أن تُظهر قدرة السوريين على تجاوز الانقسامات، تكشف عن عجز السلطة عن بناء عملية شاملة، وبدلاً من أن تُعيد الثقة بالسياسة، تعيد إلى الأذهان مشهد الانتخابات في عهد الأسد: استحقاقات شكلية بلا مضمون.
إن إصرار السلطة على عقد انتخابات جزئية، مع تأجيلات وتعيينات من فوق، لا يعكس انتقالاً ديمقراطياً بقدر ما يُظهر أن الذهنية القديمة لا تزال تحكم، وبذلك، تصبح الانتخابات الأولى بعد سقوط النظام فرصة ضائعة، وتأكيداً أن الطريق نحو بناء ديمقراطية حقيقية في سوريا لا يزال طويلاً وشائكاً.