حماة/ جمانة الخالد
في ريف حماة، وعلى سفوح جبال مصياف، تتشابك حياة النساء مع الطبيعة الصعبة والظروف الاقتصادية القاسية والأزمات الأمنية المستمرة. لتواجه النساء تحديات مضاعفة في ظل الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة التي تمر بها المنطقة. فبعد سنوات من الإهمال التنموي، وجدت هؤلاء النساء أنفسهن في الخط الأمامي لمواجهة أعباء الحياة اليومية، خاصة مع تزايد المخاطر الأمنية التي تحد من حركة الرجال. فبين بائعات التفاح وصانعات الأشغال اليدوية ومالكات المحال الصغيرة، تبرز قصص كفاح يومي لنساء قررن أن يكن عائل الأسرة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
قصص الصمود والتحدي
عند سوق مصياف القديم، تقف السيدة خالدة (55 عامًا) يوميًا خلف طاولة صغيرة تغطيها الأشغال اليدوية، محاولة بيع منتجاتها بأسعار رمزية. تقول خالدة: “لم أفكر يومًا أن هوايتي التي كنت أمارسها للترفيه ستصبح مصدر رزق لعائلتي بعد وفاة زوجي. كل قطعة أصنعها تحمل جزءًا من قلبي وأمل لعائلتي”.
في زاوية أخرى من السوق، تجد السيدة فاطمة (70 عامًا) نفسها مجبرة على حمل صناديق التفاح البلدي إلى مختلف المحلات، رغم التعب وكبر السن. تقول فاطمة: “العمل رغم الإرهاق أفضل من الاعتماد على الناس. لا شيء يضمن لنا الحياة سوى جهدنا اليومي”.
أما أم أربعة شبان، فقد اضطرت لفتح محل صغير لبيع الملابس المستعملة بعد أن فقد أبناؤها وظائفهم لأسباب طائفية. تشير الأم إلى أن التوتر والخوف المستمر جعلاها تصاب بداء السكري، لكنها تصر على الاستمرار: “كل تعب أقدمه مقابل حماية أبنائي”.
وتستمر قصص الصمود في مشاريع صغيرة أخرى، مثل مشروع تجفيف التين العائلي الذي تقوده سيدة في الخمسينيات، حيث تقول: “رغم الخسائر المالية، فإن المساعدة واجبة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة”.
واقع اقتصادي واجتماعي هش
تشير الإحصاءات المحلية إلى أن نحو 40–45% من سكان مصياف يعيشون تحت خط الفقر، وأن نسبة البطالة بين الشباب تجاوزت 35%، مع ارتفاع كبير في أعداد النساء اللواتي يضطررن للعمل لتأمين لقمة العيش.
ويضيف خبراء اقتصاديون أن الطبيعة الجبلية للمنطقة تعيق إقامة مشاريع زراعية كبيرة، في حين أن غياب المشاريع المتوسطة والكبيرة يزيد من اعتماد السكان على الأعمال التجارية الصغيرة والمهن الحرة، ما يحد من الحركة الاقتصادية ويزيد هشاشة الأسر.
كما يوضح الخبراء أن ضعف البنية التحتية، مثل الطرق والمواصلات والكهرباء، بالإضافة إلى المخاطر الأمنية، تجعل من الصعب جذب الاستثمارات الكبيرة للمنطقة، مما يزيد من الاعتماد على المشاريع الصغيرة التي تقودها النساء.
لا تتعلق معاناة نساء مصياف فقط بالأبعاد الاقتصادية، بل تشمل أيضًا ضغوطًا نفسية واجتماعية كبيرة. حيث تظهر الدراسات المحلية أن ارتفاع معدلات التوتر والاكتئاب بين النساء في المناطق الريفية الفقيرة مرتبط مباشرة بالاعتماد الاقتصادي المحدود والخوف من فقدان الأسرة مصدر الرزق.
وتشير دراسات أخرى إلى أن تمكين النساء اقتصاديًا واجتماعيًا يعزز من صمود المجتمع ككل، ويقلل من معدلات الهجرة غير المنظمة والاعتماد على المساعدات الخارجية، ويتيح للأسر بناء مستقبل أكثر استقرارًا.
قصص أمل وحلول مقترحة
في خضم هذه التحديات، تبقى نساء مصياف مثالًا حيًا للصمود والإبداع. فهن لا يتحملن فقط أعباء إعالة الأسرة، بل يحاولن الحفاظ على كرامتهن ومكانتهن الاجتماعية في مجتمع غالبًا ما يضعهن في الخلفية. تقول إحدى النساء: “بحصة بتسند جرة”، في إشارة إلى أن الجهود الصغيرة المتضافرة يمكن أن تحدث فرقًا كبيرًا.
وتذكرنا قصص هؤلاء النساء بأن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بمشاريع البنية التحتية، بل بقدرة المجتمع على حماية أضعف فئاته وتمكينها من المشاركة الفاعلة في بناء المستقبل. إن صمود نساء مصياف ليس مجرد مقاومة للأزمة، بل هو جزء من بناء اقتصاد محلي مستدام، قادر على مواجهة التحديات وإعادة الأمل إلى المنطقة.
الحلول المقترحة لهذه الأزمة متعددة الأبعاد. يؤكد الخبراء على ضرورة جذب الاستثمارات الكبيرة للمنطقة، مع دعم المشاريع الصغيرة كحل مرحلي، كل ذلك في إطار خطة تنموية وطنية شاملة. كما يضيف أحد الباحثين التنمويين مقترحات أكثر تفصيلاً، بدءاً من منح قروض ميسرة للنساء، ومروراً بإقامة معارض تسويقية لمنتجاتهن، ووصولاً إلى تشجيع العودة للزراعة عبر استثمار المزايا النسبية لكل قرية.
ويشير الخبراء إلى إمكانية استغلال الموارد الطبيعية للمنطقة، مثل دودة القز في بعض القرى، والنباتات العطرية التي تشتهر بها المنطقة، لإنشاء مشاريع تصنيعية صغيرة. كما يلفتون إلى أهمية التعاون مع المنظمات الدولية، مع التركيز على تحسين عمليات التصنيع والتغليف لتسهيل تسويق المنتجات محلياً ودولياً.
ولا يغفل الخبراء دور الاستثمارات الخارجية في إنعاش اقتصاد المنطقة، مشددين على ضرورة توفير البيئة المناسبة لهذه الاستثمارات عبر تحسين البنية التحتية وضمان الأمن. ويخلصون إلى أن المنطقة غنية بمواردها وكفاءاتها البشرية، وما تحتاجه هو قرار جريء لتحقيق التنمية المستدامة.
في خضم هذه التحديات، تبقى النساء في المنطقة مثالاً للصمود والتحدي. فهن لا يحملن فقط أعباء إعالة الأسرة، بل يحاولن الحفاظ على كرامتها في ظل ظروف بالغة القسوة. قصصهن تذكرنا بأن التنمية الحقيقية لا تقاس بمشاريع البنية التحتية فقط، بل بقدرة المجتمع على حماية أضعف فئاته وتمكينها من المشاركة الفاعلة في بناء المستقبل. فكما تقول إحدى النساء: “بحصة بتسند جرة”، في إشارة إلى أن الجهود الصغيرة المتضافرة يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً.