لم تعد المعارك المتجددة في اليمن شأناً داخلياً يمكن عزله عن التحولات الإقليمية، بعدما انتقلت المواجهات إلى الساحل الغربي واقتربت من واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. فسيطرة الحوثيين على مدينة المخا وتقدمهم على أجزاء واسعة من الساحل اليمني يضع مضيق باب المندب أمام مرحلة جديدة من المخاطر، فيما تتجه الأنظار شمالاً إلى قناة السويس التي ترتبط به جغرافياً واقتصادياً ضمن واحد من أهم طرق التجارة العالمية.
وتكمن أهمية التطورات الأخيرة في أن المخا تقع على مسافة تقارب 75 كيلومتراً من باب المندب، ما يمنح الطرف المسيطر عليها موقعاً متقدماً على مقربة من المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. ومع امتداد النفوذ الحوثي نحو الجزر والممرات المحيطة بالمضيق، تتزايد المخاوف من تحول البحر الأحمر إلى ساحة ضغط جديدة على حركة السفن، في وقت تشهد فيه المنطقة أصلاً اضطرابات واسعة في خطوط الملاحة والطاقة.
باب المندب.. البوابة الجنوبية للسـويس
لا يمكن فهم خطورة المشهد من دون النظر إلى العلاقة المباشرة بين باب المندب وقناة السويس. فالسفن القادمة من المحيط الهندي وخليج عدن باتجاه أوروبا تمر عبر باب المندب إلى البحر الأحمر، ثم تتجه شمالاً نحو قناة السويس قبل الوصول إلى البحر المتوسط.
وبالتالي، فإن اضطراب الملاحة في باب المندب لا يعني إغلاق قناة السويس بالضرورة، لكنه قد يجعل الوصول إليها أكثر كلفة وخطورة. وإذا اضطرت شركات الشحن إلى تجنب البحر الأحمر، فإن البديل الرئيسي يصبح الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، وهي رحلة أطول بكثير ترفع تكاليف الوقود والتأمين ومدة وصول البضائع.
وهذا السيناريو ليس افتراضاً بعيداً؛ فقد أدت الهجمات السابقة على السفن في البحر الأحمر إلى تراجع حركة الملاحة عبر المنطقة، ودفع شركات نقل كبرى إلى تغيير مساراتها. ومع التصعيد الحالي، تخشى الأسواق من عودة هذه الأزمة بقوة أكبر.
السعودية ومصر أمام معادلة أكثر تعقيداً
التصعيد اليمني يضع السعودية ومصر بصورة خاصة أمام تحديات مباشرة. فالسعودية تعتمد على طرق بحرية متعددة لتصدير الطاقة، فيما تمثل قناة السويس مورداً اقتصادياً واستراتيجياً أساسياً لمصر، وأي تراجع مستمر في حركة السفن عبرها يمكن أن يترك أثراً على الإيرادات المصرية وعلى قطاع الخدمات والنقل البحري.
وتبدو العلاقة بين أمن باب المندب وقناة السويس واضحة إلى درجة دفعت الحكومة اليمنية نفسها إلى التأكيد أن المضيق والقناة يمثلان حلقتين مترابطتين ضمن ممر بحري واحد، وأن استقرار جنوب البحر الأحمر يصب في مصلحة الأمن الملاحي والتجاري الإقليمي والدولي.
وزارة الخارجية اليمنية
وفي هذا السياق، حذّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي من أن أي تغيير في الوضع العسكري قرب باب المندب ستكون له تداعيات على الملاحة والتجارة العالمية، متهماً إيران بالسعي إلى منح الحوثيين نفوذاً في المضيق والبحر الأحمر.
من اليمن إلى أسواق النفط
ولا تتوقف المخاطر عند حركة السفن. فالبحر الأحمر وباب المندب يشكلان جزءاً من شبكة واسعة لنقل الطاقة بين الخليج والأسواق الآسيوية والأوروبية. ومع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز بالتزامن مع التصعيد في اليمن، أصبحت البدائل البحرية أكثر محدودية وكلفة.
وقد تجاوز سعر خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل خلال الأيام الأخيرة، وسط تصاعد المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة والهجمات على ناقلات النفط والبنية التحتية في المنطقة.
وهنا تكمن خطورة المشهد: فالممرات البحرية الكبرى لم تعد أزمات منفصلة. هرمز في الشرق، وباب المندب في الجنوب، وقناة السويس في الشمال، كلها باتت مرتبطة بتوترات إقليمية متزامنة، ما يجعل أي تصعيد جديد قادراً على مضاعفة أثر الأزمة بدلاً من بقائها محصورة في جغرافيا محددة.
أزمة يمنية بامتدادات دولية
ومع استمرار تقدم الحوثيين على الساحل الغربي، لم تعد المعركة تدور فقط حول السيطرة على مدن ومناطق يمنية، بل حول من يمتلك القدرة على التأثير في واحد من أهم الشرايين البحرية بين آسيا وأوروبا.
الأمم المتحدة حذرت من أن اليمن بات أمام أخطر احتمال للعودة إلى حرب واسعة منذ هدنة عام 2022، فيما تتواصل المعارك على الساحل الغربي.
وبذلك، يصبح السؤال المطروح أبعد من مستقبل الحرب اليمنية نفسها: هل تتحول السيطرة على الساحل وباب المندب إلى ورقة ضغط على حركة التجارة العالمية؟
إذا استمر التصعيد واتسع نطاق السيطرة على المناطق الساحلية والجزر القريبة من المضيق، فقد تجد شركات الملاحة نفسها أمام خيار صعب بين المخاطرة بالعبور أو دفع كلفة طريق أطول حول أفريقيا. وفي الحالتين، لن تبقى تداعيات الحرب داخل حدود اليمن، بل ستصل إلى الموانئ والأسواق وأسعار الطاقة، وربما إلى قناة السويس نفسها.
ففي عالم يعتمد على ممرات بحرية محدودة لانتقال السلع والطاقة، قد تكون المعركة على الساحل اليمني معركة على الطريق إلى أوروبا بأكمله.