لكل السوريين

اليوم الدولي للاعنف… نحو ثقافة عالمية للسلام والتغيير السلمي

انعام نيوف

في الثاني من تشرين الأول من كل عام، يقف العالم وقفة رمزية وإنسانية لإحياء اليوم الدولي للاعنف، هذه المناسبة الأممية لم تُحدد عبثاً، بل جاءت كتعبير عن الحاجة الملحّة لنهج جديد في التعامل مع الصراعات والتوترات التي يشهدها العالم، يقوم على قوة الحوار والتسامح، بدلاً من منطق القوة والعنف، إنها لحظة لتذكير البشرية بأن السلم ليس خياراً ثانوياً، بل ضرورة وجودية لضمان مستقبل أفضل.

اللاعنف ليس مجرد شعار أخلاقي، بل هو فلسفة حياة واستراتيجية عمل، يقوم على مبدأ أساسي مفاده أن الوسائل العادلة وحدها يمكن أن تقود إلى غايات عادلة، وأن اللجوء إلى العنف لإقامة مجتمع مسالم ينطوي على تناقض داخلي.

فاللاعنف لا يعني الاستسلام أو السلبية، بل هو شكل واعٍ من المقاومة، يمنح الشعوب القدرة على مواجهة الظلم والاضطهاد بوسائل سلمية، ويحوّل الأفراد من متفرجين إلى فاعلين في صناعة التغيير.

لقد أثبتت التجارب التاريخية أن المقاومة السلمية قادرة على إحداث تحولات جذرية في المجتمعات، حيث اعتمدت عليها حركات كثيرة في مختلف أنحاء العالم للمطالبة بالحقوق المدنية، وللدفاع عن العدالة الاجتماعية، ولمواجهة أنظمة الاستبداد والتمييز.

على سبيل المثال، قادت حركات الحقوق المدنية في الولايات المتحدة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي مقاومة سلمية ضد التمييز العنصري، ونجحت عبر المظاهرات السلمية والمقاطعات في إحداث تغييرات تشريعية هائلة أرست مبادئ المساواة.

كما ساهمت أشكال مختلفة من العصيان المدني والمقاومة السلمية في جنوب إفريقيا في تقويض نظام الفصل العنصري، حيث تعاونت الحركات الشعبية مع النخب السياسية لتغيير النظام بطريقة سلمية تجنبت انزلاق البلاد إلى صراع دموي، وفي أوروبا الشرقية، شهدت الثورة المخملية في تشيكوسلوفاكيا أواخر القرن العشرين نجاحاً مماثلاً في إسقاط نظام شمولية دون اللجوء إلى القوة العسكرية.

أما في عالم اليوم، فإن اللاعنف يكتسب أهمية متزايدة في ظل النزاعات المسلحة المستمرة، وتصاعد موجات التطرف، وانتشار خطاب الكراهية، فهو يمثل أداة فعّالة لمواجهة سياسات القمع، وتحريك الرأي العام، وبناء جسور التواصل بين الثقافات والشعوب، كما أصبح جزءاً من الحركات البيئية والاجتماعية، حيث تعتمد المنظمات على المظاهرات السلمية والإضرابات والمبادرات التوعوية للمطالبة بالعدالة الاقتصادية والدفاع عن المناخ ومكافحة التمييز بجميع أشكاله.

تخصيص الأمم المتحدة يوماً دولياً للاعنف يعكس إيمان المجتمع الدولي بأن ثقافة السلام لا تُبنى بالخطابات فقط، بل تحتاج إلى برامج عمل واقعية وإلى وعي جماعي يترسخ عبر التعليم والتثقيف، وتتيح هذه المناسبة فرصاً لتسليط الضوء على قضايا ذات أهمية إنسانية، وتحفيز الحكومات والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص على العمل المشترك لتعزيز سياسات تدعم العدالة الاجتماعية، وتحمي الحقوق الأساسية، وتمنع تفجر النزاعات.

اليوم الدولي للاعنف يذكّر البشرية بحقيقة جوهرية: أن القوة الحقيقية ليست في السلاح، بل في القدرة على ضبط النفس، وبناء الثقة، وتعزيز قيم الاحترام المتبادل، إنه دعوة مفتوحة لكل فرد ومجتمع للمساهمة في نشر ثقافة السلام، ليس بالكلام فحسب، وإنما بالممارسة اليومية في الحياة العامة، فاللاعنف ليس مجرد وسيلة لمواجهة الصراعات، بل هو أساس لعالم أكثر عدلاً وأمناً، عالم تُبنى فيه العلاقات على التعاون لا الهيمنة، وعلى العدالة لا الاستغلال.

وفي وقت تتعاظم فيه التحديات، من الحروب إلى الأزمات الاقتصادية والمناخية، يصبح هذا النهج أكثر إلحاحاً، باعتباره السبيل الأجدى لصناعة مستقبل يليق بالإنسانية ويحقق الأمن والاستقرار العالمي.

- Advertisement -

- Advertisement -