حمص/ بسام الحمد
معالم أيوبيّة ومملوكيّة تستعيد نبضها الثقافي بعد عقود من الحرب والإهمال
بين الأزقة العتيقة المرصوفة بالحجارة السوداء، وتحت القناطر المقبّبة التي شاخت على وقع الزمن، تستعيد أسواق حمص القديمة شيئاً من حياتها، بعد سنواتٍ طويلة من الخراب والدمار. هذه الأسواق، التي طالما شكّلت مركزاً تجارياً وثقافياً نابضاً للمدينة، تعود اليوم ببطء شديد، لكن بثبات، لتذكّر السوريين والعالم بأن التاريخ لا يموت، وأن الحجارة التي صمدت في وجه الحروب قادرة على رواية الحكاية من جديد.
منذ قرون… أسواق حمص قلب المدينة وروحها
تُعدّ أسواق حمص من أقدم وأغنى الأسواق التاريخية في سوريا، إذ يعود بناؤها إلى العهدين الأيوبي والمملوكي، وتمتاز بتصميمها المعماري الفريد الذي يجمع بين الجمال الوظيفي والفن الزخرفي.
فالأقواس الحجرية العالية، والأسقف المقبّبة التي تحمي المارة من المطر والحرّ، والممرات الضيقة المتعرجة التي تفوح منها روائح التوابل والصابون الحلبي، كانت جميعها تشكل لوحة فريدة تختصر هوية المدينة.
وخلال القرون الماضية، تحوّلت هذه الأسواق إلى مركز للحرف التقليدية والصناعات اليدوية، مثل دباغة الجلود، وصناعة النسيج، وصياغة الفضة، والخياطة، وصناعة الفرو العربي، إضافة إلى محال العطارين، والفرّانين، والخبازين.
وكانت السوق القديمة بمثابة جامعة شعبية؛ فيها تلتقي الأخبار، وتُعقد الصفقات، وتُحكى الحكايات، وتُنقل الموروثات من جيل إلى جيل.
صالون “أبو تمام”.. حكاية 140 عاماً من الحرفة والذاكرة
في بداية السوق من جهتها الجنوبية، يقف سمير قصيراوي أبو تمام (67 عاماً) أمام صالونه العريق «صالون وديان»، الذي يعود تاريخه إلى 140 عاماً. توارث الرجل مهنة الحلاقة من أجداده، وظل يمارسها منذ نصف قرن دون انقطاع، إلى أن أجبرته ظروف الحرب على إغلاق محله سبع سنوات بين 2015 و2022.
يقول أبو تمام لـ«السوري»: «نصبت قوات النظام البائد حاجزاً عند مدخل السوق، وكان الدخول والخروج يخضع للتفتيش، فتوقفت الحركة تماماً. لم يكن أمامي سوى الإغلاق».
لكن بعد سقوط النظام، قرر الرجل العودة، رغم دمار جزء كبير من محله ومنزله، ورغم فقدانه ابنه الأكبر تحت التعذيب عام 2012. «أنا متفائل،» يقول بابتسامة ممزوجة بالألم، «السوق سترجع أفضل مما كانت عليه، هذا المكان عمره مئات السنين ولن يُمحى بسهولة».
عوينة الحمة… أولى خطوات الحياة
من بين الأسواق العريقة في حمص تبرز سوق “عوينة الحمة” التي سُمّيت بهذا الاسم لوجود نبع كبريتي قديم كان يُستخدم لعلاج أمراض الأطفال. هذه السوق، التي كانت مهجورة تماماً لسنوات، شهدت أولى ملامح الحياة الجديدة عندما أعاد أبو تمام فتح صالونه وسط الركام.
حول صالونه، يعمل شبّان على تنظيف الحجارة السوداء وإزالة الأنقاض من أمام المحال المغلقة، في مشهد يعكس رغبة أهالي المدينة في استعادة المكان لا كمجرّد سوق، بل كذاكرة حيّة.
هندسة معمارية مملوكية… قناطر النجوم والزخارف
تتميّز أسواق حمص القديمة بنمط معماري فريد، يمكن تمييزه بسهولة من خلال القناطر المقبّبة المزدانة بالنجوم الزخرفية والنقوش المملوكية، التي تعكس مهارة البنّائين في ذلك العصر.
الأسواق مغطاة بالكامل تقريباً، وتتشابك ممراتها بطريقة ذكية تحافظ على التهوية والإنارة الطبيعية، مما جعلها نموذجاً عمرانياً متقدماً لوقتها.
وتضم المدينة القديمة نحو 15 سوقاً رئيسياً وعشرات الشوارع الفرعية و982 محلاً أثرياً، وفقاً لمديرية الآثار والمتاحف في حمص، وتشكل مجتمعة نسيجاً عمرانياً وثقافياً مترابطاً ظلّ نابضاً بالحياة حتى اندلاع الحرب.
التجارة والتراث… عودة بطيئة لكن واعدة
في «السوق المقبي»، أحد أشهر أسواق حمص، عاد التاجر ياسر الطيباني إلى متجر عائلته المتخصّص بالأحذية، الذي يعود تاريخه إلى عام 1875.
يقول الطيباني: «رأيت الدمار ولم أتردد. هذا المكان مثل البيت. الأسعار اليوم مستقرة نسبياً بعد التغيرات السياسية، وأغلى قطعة عندي بـ100 ألف ليرة، أي نحو 10 دولارات».
ورغم أن الحركة التجارية ما تزال خجولة، إلا أن مشهد المارة والباعة وهم يتبادلون التحية تحت الأمطار يوحي بأن روح السوق بدأت تدب من جديد.
صناعات يدوية تستعيد نبضها
في سوق الفرو والمصنوعات النسيجية، الذي يعد من أبرز الأسواق الحرفية في حمص، أعاد الحرفي عبد الباسط (52 عاماً) فتح ورشته المبنية من الحجارة السوداء.
يقول: «نسبة الدمار في السوق كانت تقارب 90%، لكن عندما عدت وعلّقت أدواتي شعرت وكأني أعود عشرين عاماً إلى الوراء. هذه الحرفة ليست مجرد عمل، إنها هوية متوارثة».
صناعة الفرو والنسيج التقليدي في حمص لطالما ارتبطت بالشتاء الحموي القارس، وكانت منتجاتها تُباع في أسواق دمشق وحلب وتُصدّر إلى الخارج، ما جعلها جزءاً من السمعة التاريخية للمدينة.
🧰 الترميم الثقافي… شراكة محلية ودولية
بعد الزلزال الذي ضرب سوريا وتركيا في شباط 2023، أُطلقت مشاريع ترميم موسعة للأسواق التاريخية في حمص بإشراف مديرية الآثار والمتاحف وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، للحفاظ على الطابع الأثري للمنطقة.
الترميم لا يقتصر على إعادة بناء الحجارة، بل يشمل أيضاً إحياء الحرف، وتشجيع السكان على العودة، وإعادة الحياة الاجتماعية والثقافية إلى هذه المساحات التي شكّلت على مدى قرون ملتقى لأهالي المدينة وزوّارها.
مستقبل الأسواق… بين الحنين والإصرار
رغم الخراب الكبير الذي لحق بالمدينة القديمة، فإن العائدين إليها لا ينظرون إليها كمجرد مبانٍ تاريخية، بل كمكانٍ حيٍّ يشهد على هوية المدينة وذاكرتها الجمعية.
يقول أحد الزوار الشباب وهو يتجول في السوق مع زوجته: «كنت أحلم أن أمشي هنا بلا خوف، بلا حواجز أمنية… اليوم تحقق الحلم، ونتمنى أن تعود الأيام الجميلة كما كانت».
تجارب مشابهة في دمشق القديمة وحلب أثبتت أن التراث الحي قادر على جذب الزوار والسياح والباحثين، ما يفتح الباب أمام حمص القديمة لاستعادة مكانتها كمركزٍ ثقافي وتجاري بارز، بشرط أن تُمنح ما تستحقه من الاهتمام والدعم.
ذاكرة لا تُمحى
أسواق حمص القديمة ليست مجرد ممرات حجرية أو محال عتيقة، بل هي ذاكرة المدينة وروحها. فيها تختلط رائحة التاريخ بصوت المطر، وحكايات الأجداد بأصوات الأطفال الذين يعودون إليها للمرة الأولى.
قد تتعافى هذه الأسواق ببطء، لكن كل حجر فيها يصرّ على البقاء، شاهداً على حضارةٍ عريقة، وشعبٍ ما زال يؤمن أن التراث هو السبيل للنهضة من جديد.