لكل السوريين

مركز الفيض الصحي في جبلة يعود إلى الحياة بعد سنوات من الإهمال

تقرير/ اـ ن

بعد سنوات طويلة من التوقف والإهمال، تنفّست الأحياء الجنوبية في مدينة جبلة الصعداء مع إعادة تأهيل مركز الفيض الصحي وافتتاحه مجددًا أمام المواطنين، في خطوة اعتبرها السكان «أشبه بعودة الروح» إلى أحد أهم المرافق الصحية في المنطقة.
فمن خلال مبادرة مجتمعية حملت اسم «أهل الخير»، وبالتعاون مع مديرية صحة اللاذقية، تم تنفيذ مشروع التأهيل بتمويل من تبرعات طبيبين مغتربين من أبناء المحافظة، ليتحول المركز من مبنى شبه مهجور إلى منشأة صحية متكاملة تقدّم خدمات أساسية ومتخصصة لآلاف المواطنين.

سنوات من التوقف… وعودة منتظرة

كان مركز الفيض الصحي قد أُغلق قبل نحو خمس سنوات بسبب تردّي وضعه الإنشائي ونقص التجهيزات والكوادر، رغم موقعه الحيوي بالنسبة لأحياء جبلة الجنوبية التي تعاني من ضعف في البنية الصحية وابتعاد مشفى جبلة الوطني عنها مسافة ليست قصيرة.
وخلال هذه السنوات، اضطر الأهالي إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مراكز صحية بديلة في المدينة أو التوجه إلى المشافي الخاصة التي تتطلب تكاليف مالية مرتفعة لا يستطيع الكثير من السكان تحمّلها، في ظل ظروف معيشية صعبة.

وبحسب أحد سكان الحي، فإن «إغلاق المركز ترك فراغاً كبيراً في حياة الناس اليومية، فحتى اللقاحات الدورية للأطفال أو الفحوص الروتينية كانت تتطلب وقتاً وجهداً وتكاليف إضافية». ويضيف: «عودة المركز تعني لنا الأمان الصحي من جديد».

مشروع تأهيل متكامل بجهود أهلية

بدأت أعمال إعادة التأهيل قبل ثلاثة أشهر، وشملت إصلاح البنية التحتية للمبنى، وإعادة تأهيل القاعات والعيادات الداخلية، وتزويده بالأثاث والتجهيزات الطبية الأساسية والحديثة. كما تم تنظيم الممرات وقاعات الانتظار بما يضمن انسيابية العمل وتقديم الخدمات بأفضل صورة.

اللافت أن المشروع تم تمويله بالكامل تقريبًا من تبرعات طبيبين مغتربين من أبناء محافظة اللاذقية، عبّرا عن رغبتهما في رد الجميل للمنطقة التي ينتميان إليها. وقد تولّت مبادرة «أهل الخير» تنسيق الأعمال، في حين وفّرت مديرية الصحة الكوادر البشرية والتجهيزات الإضافية.

وقالت إحدى المتطوعات في المبادرة لـ«السوري»:

«ما تحقق اليوم هو مثال حقيقي على أن التعاون بين الأهالي والجهات الرسمية قادر على إحداث فارق كبير، خصوصاً في ظل محدودية الموارد الحكومية. كنا نرى المركز شبه مهجور، والآن أصبح منارة صحية في الحي».

المركز بعد تأهيله لا يقتصر على تقديم الإسعافات الأولية أو اللقاحات فحسب، بل أصبح يضم مجموعة واسعة من الخدمات الصحية الأساسية والمتخصصة، أبرزها:

عيادات داخلية للأطفال والبالغين.

قسم لصحة المرأة ومراقبة الحمل.

قسم للتغذية والصحة الإيجابية.

خدمات الدعم النفسي والتثقيف الصحي.

وحدة التقصي الوبائي.

قسم لطب الأسنان واللقاحات الروتينية.

صرف الأدوية الأساسية مجانًا.

كما تم تحسين البيئة الداخلية للمركز من حيث النظافة والتنظيم وتوزيع العيادات، ما جعله أكثر قدرة على استقبال أعداد كبيرة من المراجعين يوميًا بطريقة مريحة ومنظمة.

دوام مسائي لتوسيع التغطية الصحية

وفي خطوة مكمّلة لتعزيز الخدمات الصحية في المحافظة، أعلنت مديرية صحة اللاذقية عن افتتاح دوام مسائي في ستة مراكز صحية موزعة بين المدينة والريف، من بينها المركز الصحي الأول في جبلة.
ويمتد الدوام من الساعة الثالثة عصرًا حتى الثامنة مساءً، ويهدف إلى تمكين المواطنين الذين لا تسمح لهم ظروف العمل بالحضور صباحًا من الحصول على الخدمات الصحية الأساسية مثل اللقاحات الروتينية، خدمات الصحة الإنجابية، الإسعافات الأولية، واستشارات الأطفال والبالغين.

وأكدت المديرية أن هذه الخطوة تأتي في إطار رفع نسب التغطية الصحية وضمان وصول الخدمات إلى أكبر عدد ممكن من المواطنين، خاصة في المناطق النائية التي تعاني من نقص المراكز الطبية.

تحديات واقعية وحلول مجتمعية

رغم أهمية هذه الخطوة، تشير مصادر في مديرية الصحة إلى وجود تحديات مستمرة أبرزها نقص الكوادر الصحية، وتأخر الرواتب وضعف الحوافز، إضافة إلى الصعوبات اللوجستية التي تواجه المراكز الريفية.
لكن في المقابل، أثبتت مبادرات المجتمع المحلي والأطباء المغتربين أن الحلول لا تأتي دائمًا من المؤسسات المركزية فقط، بل يمكن للعمل الأهلي أن يسدّ فراغات كبيرة إذا توفرت النية والتعاون.

ويرى مراقبون أن تجربة مركز الفيض يمكن أن تكون نموذجًا يحتذى في مناطق أخرى تعاني من تراجع الخدمات الصحية، من خلال تشجيع المغتربين ورجال الأعمال المحليين على المساهمة في دعم المشاريع الحيوية.

تشكل إعادة تأهيل مركز الفيض الصحي في جبلة أكثر من مجرد ترميم لمبنى قديم؛ إنها عودة لخدمات أساسية تمس حياة الناس يوميًا، وتأكيد على أن الرعاية الصحية الأولية هي حجر الأساس لأي نظام صحي متكامل.
وبينما تبقى التحديات قائمة، فإن عودة المركز للعمل تمثل رسالة أمل واضحة للسكان، وتؤكد أن الإرادة المجتمعية قادرة على تحقيق إنجازات حقيقية حتى في أصعب الظروف.

- Advertisement -

- Advertisement -