تقرير/ بسام الحمد
في المدن التي كانت يوماً رمزاً للخصب والخضرة، حيث غنى الشعراء لنواعير حماة التي تروي الأرض، وامتدت بساتين حمص الغناء، ها هي اليوم تدق ناقوس الخطر بشأن أحد مقومات الحياة الأساسية: الألبان ومشتقاتها. لم تعد الأزمة مجرد أرقام وإحصاءات، بل تحولت إلى قصص يومية مؤلمة ترويها وجوه الأهالي في الأسواق الشعبية والأحياء القديمة، حيث أصبح الحصول على كوب حليب للطفل أو قطعة جبن للعائلة معركة يومية في وجه الغلاء والجفاف.
في سوق “الحميدية” الشعبي بحمص، يقف أبو علي (55 عاماً) أمام بضاعته من الأجبان المحلية، نظراته متجهة إلى الزبائن القلائل الذين يتجولون بين المحال. يقول أبو علي الذي ورث المهنة عن أبيه: “أعمل في بيع الأجبان منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ولم أشهد مثل هذه الأوقات الصعبة. الزبون يأتي ليسأل عن السعر ثم ينصرف من دون شراء. الكيلو من الجبنة البلدية الذي كان سعره لا يتجاوز بضعة آلاف أصبح اليوم بين 40 و45 ألف ليرة. الناس لم تعد تقدر على هذا الثمن”.
على بعد أمتار قليلة، يتجول شاب يحمل سلّة من البلاستيك يعرض فيها “جبنة بلدية” و”لبنة” بأسعار أقل بنحو 25-30% من أسعار المحال الرسمية. يقبل عليه بعض الناس بتردد. أحدهم، وهو أبو أنس، يقول: “أعلم أن جودتها قد تكون مشكوكاً فيها، ولكن ما الخيار؟ لديّ أربعة أولاد، وميزانية الطعام لا تكفي لشراء حاجياتنا من المحال المعروفة. مضطر لأشتري من هنا علّي أضمن لهم غذاءً مقبولاً”.
هذه الصورة تتكرر في حماة، عند سفح النواعير التي تئن من جراح الحرب والجفاف معاً. في حي “الباشورة”، تضع أم محمد (42 عاماً) أصابعها على جوهر الأزمة: “ابني البكر في الصف الأول، يحتاج إلى الحليب يومياً. سعر الكيلو من الحليب تجاوز 8000 ليرة. كيف لي أن أؤمن كوباً له ولإخوته يومياً؟ أصبحت أخلط الحليب بالماء وأضيف إليه القليل من السكر لأوهمهم بأن طعمه لم يتغير. قلبي ينفطر عندما أفعل ذلك، ولكن لا حيلة لي”.
لا يمكن فهم ارتفاع الأسعار دون الغوص في جذور الأزمة، والتي يلعب فيها عامل الجفاف دوراً محورياً. المهندس الزراعي خالد الحلبي، الذي يعمل مع مزارعين في ريف حماة الشمالي، يشرح لنا الصورة بقوله: “المواشي تحتاج إلى مراعي ومياه. سنوات الجفاف المتتالية قضت على مساحات شاسعة من المراعي الطبيعية. تكاليف توفير الأعلاف للمواشي ارتفعت بشكل هائل، مما دفع المربين إلى تقليص قطعانهم أو التخلي عن تربية الأبقار بشكل كامل. عدد رؤوس الأبقار المنتجة للحليب انخفض بشكل كارثي، وعندما ينخفض العرض بينما يبقى الطلب ثابتاً أو حتى مرتفعاً بسبب النمو السكاني، فإن النتيجة الحتمية هي هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار”.
ويضيف الحلبي: “النواعير في حماة كانت ترمز إلى الوفرة المائية، اليوم هي مجرد ديكور سياحي حزين. لو هطلت الأمطار هذا الشتاء بغزارة، قد نرى بداية لانتعاش المراعي وتخفيف الضغط على المزارعين، ولكن تأثير ذلك لن يكون فورياً. يحتاج القطاع إلى موسمين أو ثلاثة من الأمطار الجيدة ليعود إلى سابق عهده، وهذا أمر غير مضمون في ظل التغيرات المناخية”.
الأزمة ليست في جانب العرض فقط، بل في جانب الطلب أيضاً. محمد الحسين، رئيس جمعية أصحاب محال الأغذية في حماة، يوضح هذه المعضلة: “الأسعار مرتفعة بالنسبة للتاجر كما هي للمستهلك. نحن نشتري البضاعة بأسعار عالية، ونضيف هامش ربح ضئيل جداً لكي نستطيع بيعها. المشكلة الحقيقية هي أن القدرة الشرائية للمواطن قد انهارت. ببساطة، هو يختار بين أن يطعم أولاده اللحوم أو الأجبان أو أن يدفع للإيجار والفواتير. غالباً ما تكون الأجبان هي الخاسر في هذه المعادلة”.
هذا الضعف في القوة الشرائية يفتح الباب أمام سوق موازية خطيرة. الباعة الجوالون يبيعون منتجاتهم بأسعار أقل، ولكن مصادر تلك المنتجات وجودتها تظل محل شك كبير. الدكتور نبيل سعد، مختص في سلامة الغذاء، يحذر: “هناك خطر حقيقي من انتشار منتجات مغشوشة أو غير مطابقة للمواصفات. قد يتم خلط الحليب بالماء والنشا، أو استخدام دهون نباتية رخيصة في صناعة الأجبان بدلاً من الحليب الطبيعي. هذه المنتجات لا تفتقر إلى القيمة الغذائية فحسب، بل قد تشكل خطراً على الصحة، خاصة على الأطفال وكبار السن. الشراء من مصادر غير معروفة هو مقامرة غير محسوبة العواقب”.
في قرية برة صغيرة بريف حمص، تحكي فاطمة (38 عاماً) عن معاناتها وزوجها في تربية بقرة واحدة. تقول: “البقرة كانت مصدر رزقنا. كنا نبيع الحليب الزائد ونعيش بكرامة. الآن، ثمن علفها لمدة شهر يساوي ما نبيعه من حليب في أسبوعين. كاد زوجي أن يذبحها الشهر الماضي لعدم قدرتنا على إطعامها. تدخل بعض الجمعيات الخيرية وساعدتنا بكمية من الأعلاف، ولكن هذه المساعدات مؤقتة. إذا لم تهطل الأمطار هذا الشتاء، لا أعرف ما سنفعله”.
في المقابل، هناك بصيص أمل عند مزارع آخر في ريف حماة، هو أبو ياسر، الذي استثمر في نظام للري بالتنقيط لجزء من أرضه لزراعة الأعلاف. يقول: “التحدي كبير، ولكن الاستسلام ليس خياراً. اضطررنا للتكيف. بدلاً من الاعتماد الكلي على المراعي، بدأنا بزراعة جزء من حاجة مواشينا من الأعلاف باستخدام طرق ري موفرة للمياه، ولكن على المدى الطويل، هي ضمان لاستمرارنا. نحن نحتاج إلى دعم أكبر لهذه النماذج من قبل الجهات المعنية”.