تدخل أزمة المياه في محافظة درعا مرحلة أكثر تعقيداً مع اتساع رقعة انقطاع مياه الشرب، وطول الفترات الفاصلة بين دورات الضخ، بالتزامن مع تراجع الموارد المائية وانخفاض مناسيب الآبار الجوفية. وفي ظل غياب حلول مستدامة، يجد السكان أنفسهم أمام خيار مكلف يتمثل بشراء المياه من الصهاريج الخاصة، التي تحولت تدريجياً إلى مصدر رئيسي لتأمين الاحتياجات المنزلية.
وفي مدينة نوى والقرى المحيطة بها، حيث يعيش أكثر من 200 ألف نسمة، يتحدث السكان عن انقطاع للمياه مستمر منذ أكثر من شهر، ما دفع كثيراً من العائلات إلى الاعتماد على الصهاريج، وسط ارتفاع تكاليفها التي وصلت إلى نحو 150 ألف ليرة سورية للصهريج الواحد.
ولا تبدو المشكلة مرتبطة فقط بنقص المياه المتاحة، إذ يشير سكان إلى وجود آبار جرى حفرها بمساهمات أهلية وثبتت صلاحيتها، لكنها لم تدخل الخدمة ولم تُربط حتى الآن بشبكة المياه، الأمر الذي يزيد من استياء الأهالي الذين يطالبون بتشغيلها والاستفادة منها في تخفيف أزمة الشرب.
أكثر من أسبوعين بانتظار المياه
وفي قرية معرية بريف درعا الغربي، ينتظر الأهالي ما بين 14 و16 يوماً لوصول المياه إلى منازلهم، بينما لا تكفي الكمية التي تصل خلال دورة الضخ لتغطية احتياجات الأسرة حتى موعد الدور التالي.
ويقول سكان إن هذه الفجوة الزمنية تجبرهم على اللجوء إلى الصهاريج الخاصة، التي بلغت كلفة بعضها نحو 200 ألف ليرة سورية، لتتحول المياه من خدمة أساسية إلى عبء إضافي على ميزانية الأسر، في محافظة تعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية متزايدة.
وتقول إحدى ربات المنازل في ريف درعا إن الأسرة باتت تحسب استهلاكها من المياه بدقة، وتضطر أحياناً إلى تأجيل أعمال التنظيف والغسيل وإعادة استخدام المياه أكثر من مرة، في محاولة لتقليل عدد مرات شراء الصهاريج.
سوق المياه.. حاجة تتحول إلى تجارة
ومع استمرار انقطاع الشبكات العامة، توسعت تجارة المياه في مناطق واسعة من ريف درعا. فالصهاريج المتنقلة والآبار الخاصة أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للسكان، في وقت تثار فيه تساؤلات حول مصادر المياه ونوعيتها ومدى خضوعها للفحص والرقابة.
ويقول أحد المزارعين من ريف درعا الشرقي إن السكان باتوا يشترون المياه كما يشترون المواد الأساسية، مضيفاً أن الحاجة الملحة تدفع كثيرين إلى التركيز على تأمين المياه أولاً، حتى قبل التأكد من مصدرها أو صلاحيتها.
وتزداد المخاوف عندما تكون المياه المنقولة مجهولة المصدر أو قادمة من آبار قريبة من مصادر تلوث أو من أراضٍ زراعية تستخدم فيها الأسمدة والمبيدات. ومع غياب الرقابة المنتظمة على بعض الصهاريج والخزانات، تصبح سلامة المياه قضية لا تقل أهمية عن تأمينها.
تراجع المخزون الجوفي يفاقم الأزمة
ولا تقف أزمة درعا عند حدود ضعف الضخ أو تهالك شبكات المياه، بل تتداخل معها عوامل بيئية ومائية أكثر خطورة، أبرزها تراجع الموارد المائية في المحافظة وسهل حوران، وجفاف عدد من الآبار وانخفاض مناسيب آبار أخرى بنسب كبيرة، وصلت في بعض الحالات إلى أكثر من 80 و90 في المئة.
ويهدد هذا التراجع مصادر مياه الشرب، كما ينعكس بصورة مباشرة على الزراعة وتربية المواشي، وهما من أهم مصادر الدخل في أجزاء واسعة من المحافظة.
ومع ارتفاع كلفة استخراج المياه ونقلها، يجد المزارعون ومربو الثروة الحيوانية أنفسهم أمام نفقات إضافية قد تؤثر في قدرتهم على الاستمرار، في وقت ترتفع فيه كلفة الإنتاج وتتراجع القدرة الشرائية للسكان.
أزمة تتجاوز الخدمة إلى المعيشة
لم تعد المياه بنداً خدمياً منفصلاً عن الحياة الاقتصادية للأسر، بل أصبحت جزءاً ثابتاً من ميزانية العديد منها. وتضطر بعض العائلات إلى تقليص نفقات أخرى لتأمين مياه الشرب، فيما تلجأ عائلات إلى الاستدانة أو مشاركة الصهاريج مع الجيران لتخفيف التكلفة.
وفي المقابل، تظهر مبادرات أهلية محدودة تقوم على تقاسم المياه وتنظيم عمليات التعبئة بين الجيران، لكنها تبقى حلولاً مؤقتة لا تستطيع معالجة مشكلة مرتبطة بتراجع الموارد وغياب البنية التحتية القادرة على تأمين إمدادات مستقرة.
ويرى سكان أن استمرار الاعتماد على الحلول الفردية يوسع الفجوة بين المناطق القادرة على شراء المياه وتلك التي لا تستطيع تحمل كلفتها، ما يجعل الحصول على المياه مرتبطاً بالقدرة المادية أكثر من كونه خدمة عامة متاحة للجميع.
مطالب بحلول عاجلة ومستدامة
ويطالب الأهالي الجهات المسؤولة عن قطاع المياه في درعا بالتعامل مع الأزمة باعتبارها حالة طارئة، والإسراع في تشغيل الآبار الجاهزة وربطها بشبكات المياه، إلى جانب تأمين مصادر بديلة للمناطق التي تشهد انقطاعات طويلة.
كما تبرز الحاجة إلى تنظيم عمل صهاريج نقل المياه، والتأكد من مصادر المياه وجودتها، وإجراء الفحوص اللازمة، بما يحد من المخاطر الصحية ويمنع استغلال حاجة السكان.
وفي الوقت نفسه، تبدو معالجة أزمة المياه بحاجة إلى خطة طويلة الأمد تأخذ في الاعتبار التراجع المستمر للمخزون الجوفي، وترشيد استهلاك المياه، وحماية الآبار من الاستنزاف والتلوث، ودعم المشاريع التي تؤمن مصادر مياه أكثر استقراراً للسكان والزراعة.
وبين انقطاع يستمر أسابيع، وصهاريج تقترب تكلفتها من 200 ألف ليرة سورية، وآبار تتراجع مناسيبها بصورة متسارعة، تتحول أزمة المياه في درعا من مشكلة خدمية إلى أزمة معيشية وبيئية متشابكة.
وفي محافظة اعتاد سكانها انتظار «دور المياه»، يبدو أن السؤال لم يعد فقط متى تصل المياه إلى المنازل، بل كيف يمكن حماية ما تبقى من مصادرها، ومنع تحول العطش إلى واقع دائم يهدد السكان والزراعة وسبل العيش في سهل حوران.