لكل السوريين

المرأة السورية والتعليم.. لماذا تخرج الفتيات من المدرسة قبل أن يصلن إلى مقاعد الجامعة؟

في سوريا، لا تبدو رحلة الفتاة نحو التعليم مرتبطة بالمدرسة وحدها. فخلف كل مقعد دراسي شاغر قصة قد تبدأ بضيق اقتصادي، أو طريق طويل إلى المدرسة، أو نزوح متكرر، أو حاجة الأسرة إلى يد عاملة، وقد تنتهي أحياناً بزواج مبكر يضع حداً لمسار تعليمي كان يمكن أن يستمر سنوات.

وتشير أحدث البيانات الأممية إلى أن أزمة التعليم في سوريا لا تزال واسعة رغم محاولات إعادة فتح المدارس وترميمها. وتقدر اليونيسف أن نحو 2.7 مليون طفل خارج المدرسة في 2026، فيما لا تزال قرابة 8 آلاف مدرسة غير عاملة، وسط استمرار تأثير الفقر والنزوح وضعف الخدمات على قدرة الأسر والأطفال على الوصول إلى التعليم.

ولا تقدم هذه الأرقام صورة منفصلة خاصة بالفتيات، لكنها تكشف حجم البيئة التي تتحرك فيها الطالبات السوريات، بينما تشير تقارير أممية أخرى إلى أن بعض العوائق التي تمنع الفتيات من الوصول إلى المدرسة تكون مرتبطة تحديداً بالحركة الآمنة، والأعراف الاجتماعية، والزواج المبكر، وتفضيل تعليم الذكور في بعض الأسر.

الفقر يبدأ من حقيبة المدرسة

تحت ضغط الظروف الاقتصادية، لم تعد كلفة التعليم تقتصر على الرسوم المدرسية، إن وجدت، بل تشمل النقل والقرطاسية والملابس والكتب وغيرها من المصاريف التي قد تبدو صغيرة منفردة، لكنها تصبح عبئاً كبيراً على الأسر محدودة الدخل.

وتشير الوكالة الأوروبية للجوء إلى أن الصعوبات الاقتصادية وعدم القدرة على تحمل تكاليف مرتبطة بالتعليم والنقل كانت من العوامل التي ساهمت في عدم الالتحاق بالمدرسة أو الانقطاع عنها، فيما دفعت الحاجة الاقتصادية بعض الأطفال إلى العمل لمساعدة أسرهم. وفي بيانات نقلتها الوكالة عن مسح أجرته المفوضية السامية لشؤون اللاجئين خلال الربع الأول من عام 2026، ذُكر عمل الأطفال سبباً لعدم الالتحاق بالمدرسة لدى 27% من الأطفال العائدين من النزوح الداخلي الذين شملهم المسح، و14% من الأطفال العائدين من اللجوء.

وبالنسبة إلى الفتيات، قد تأخذ المشكلة شكلاً مختلفاً؛ إذ يمكن أن تتحول مسؤوليات المنزل ورعاية الأطفال أو مساعدة الأسرة في العمل إلى سبب إضافي يصعّب الاستمرار في الدراسة، خصوصاً عندما تكون الموارد محدودة ولا توجد وسائل نقل آمنة أو ميسرة.

المدرسة البعيدة.. عائق أكبر أمام الفتاة

المسافة بين المنزل والمدرسة ليست مجرد مسألة جغرافية في بعض المناطق السورية، بل ترتبط أيضاً بمسألة الأمان وحرية الحركة.

ويظهر ذلك بوضوح في تقرير «أصوات من سوريا 2025» الصادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان، والذي اعتمد على أصوات نساء وفتيات سوريات. ويشير التقرير إلى أن القيود المفروضة على حركة النساء والفتيات تحد من قدرتهن على الوصول إلى التعليم والعمل والخدمات، كما يوثق إفادات لفتيات تحدثن عن منعهن من الذهاب إلى المدارس بسبب بُعدها أو مخاوف الأسر من التحرش أو الخطف أو انعدام الأمان في الطريق.

وفي إحدى الإفادات التي أوردها التقرير، ربطت فتاة من أحد مخيمات إدلب بين بُعد المدرسة وعدم قدرة الأسرة على تأمين من يرافقها وبين اضطرارها إلى ترك الدراسة، قبل أن تقول إن أهلها أجبروها لاحقاً على الخطوبة.

هذه الشهادات لا تعني أن التجربة واحدة لدى جميع الفتيات السوريات، لكنها تكشف كيف يمكن لعامل يبدو بسيطاً، مثل المسافة، أن يتحول إلى حاجز فعلي أمام التعليم عندما يترافق مع مخاوف أمنية أو قيود اجتماعية أو غياب وسائل النقل.

عندما يتحول الزواج إلى نهاية للمدرسة

يُعد الزواج المبكر من العوامل المرتبطة بانقطاع الفتيات عن التعليم، وتزداد مخاطره في البيئات التي تعاني من الفقر والنزوح وانعدام الأمان.

وتوضح الأمم المتحدة أن الزواج المبكر يرتبط بصورة وثيقة بحرمان الفتيات من التعليم، وأن الزواج غالباً ما يترافق مع خروج الفتاة من المدرسة وتحولها إلى مسؤوليات منزلية وأسرية. كما تشير إلى أن الفقر وانعدام الأمن والنزوح والخوف من العنف يمكن أن تتداخل لتزيد مخاطر الزواج المبكر.

وفي سوريا، تضع اليونيسف الانقطاع عن التعليم ضمن دائرة مخاطر متشابكة يمكن أن تقود إلى عمالة الأطفال والزواج المبكر، خصوصاً عندما يطول بقاء الطفل خارج المدرسة.

وهنا تصبح خسارة الفتاة أكبر من فقدان عام دراسي؛ إذ يمكن أن يؤدي الانقطاع المبكر إلى تضييق خياراتها المستقبلية في التعليم والعمل، ويجعل العودة إلى المدرسة أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

النزوح يعيد الفتاة إلى نقطة الصفر

لم ينته تأثير النزوح على التعليم بمجرد عودة الأسر إلى مناطقها الأصلية. فالعودة نفسها قد تضع الأسرة أمام مدارس مدمرة أو مكتظة، ونقص في المقاعد والكتب والخدمات، ومسافات طويلة للوصول إلى أقرب مدرسة.

وتشير الوكالة الأوروبية للجوء إلى أن الأطفال العائدين، بمن فيهم النازحون داخلياً واللاجئون العائدون من الخارج، يواجهون صعوبات في الاندماج مجدداً في التعليم النظامي، بينها تضرر المدارس ونقص المستلزمات وطول المسافة وغياب النقل، مع تأثر الفتيات بشكل غير متناسب بهذه العوائق.

وفي عام 2025، أفادت اليونيسف بأنها دعمت وصول 3.7 مليون طفل، بينهم أكثر من 1.8 مليون فتاة، إلى خدمات تعليمية، كما دعمت ترميم المدارس وتوفير الصفوف مسبقة الصنع والكتب والبرامج التعليمية البديلة. لكن حجم الاحتياج لا يزال أكبر بكثير من قدرة الاستجابة الحالية.

حين تصبح المدرسة مساحة غير آمنة

لا يرتبط قرار الأسرة بإرسال ابنتها إلى المدرسة بالمستوى التعليمي وحده. فالبيئة المحيطة بالمدرسة، والطريق إليها، والخدمات المتوافرة فيها، كلها عوامل تؤثر في قرار الاستمرار.

وتشير اليونيسف إلى أن الأطفال الذين يذهبون إلى المدارس يواجهون في بعض المناطق اكتظاظاً ونقصاً في المواد التعليمية وآثاراً نفسية للحرب، إضافة إلى مشكلات النقل، وهي عوامل تزيد خطر الانقطاع عن التعليم.

وبالنسبة إلى الفتيات، يمكن أن تضاف إلى ذلك مخاوف مرتبطة بالتحرش والعنف والقيود على الحركة، وهي قضايا وثقها تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان من خلال شهادات نساء وفتيات سوريات.

الفتاة بين المدرسة والأسرة

المشكلة، إذاً، ليست دائماً قراراً فردياً تتخذه الفتاة بترك التعليم، بل نتيجة سلسلة من الضغوط التي تتراكم تدريجياً: أسرة تعاني من الفقر، مدرسة بعيدة، وسائل نقل مكلفة، نزوح أو عودة إلى منطقة تفتقر للخدمات، مسؤوليات منزلية، أو بيئة اجتماعية تضع تعليم الفتاة في مرتبة أقل من تعليم الذكور.

ويشير تقرير «أصوات من سوريا 2025» إلى شهادات لفتيات تحدثن عن منعهن من التعليم بسبب كونهن إناثاً، وعن إعطاء الأولوية لتعليم الذكور، إلى جانب ارتفاع التكاليف وعدم ملاءمة بعض البيئات المدرسية والزواج المبكر.

وهذا يعني أن معالجة التسرب المدرسي بين الفتيات لا يمكن أن تقتصر على بناء المدارس أو توزيع الكتب، رغم أهمية هذه الخطوات، بل تحتاج أيضاً إلى معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تدفع الفتاة إلى مغادرة المدرسة.

التعليم ليس مقعداً دراسياً فقط

تظهر التجربة السورية أن إبقاء الفتاة في المدرسة يرتبط بحمايتها من سلسلة من المخاطر اللاحقة. فالتعليم يمنحها فرصة لاكتساب المهارات، ويؤخر احتمالات خروجها المبكر إلى سوق العمل أو الزواج، ويفتح أمامها خيارات أوسع في المستقبل.

ولهذا يوصي صندوق الأمم المتحدة للسكان بزيادة الوصول الآمن والعادل إلى التعليم الرسمي وغير الرسمي للفتيات المراهقات، إلى جانب توسيع التعليم المهني ودعم الأنشطة المدرة للدخل للنساء والفتيات الأكبر سناً.

وفي بلد ما زالت فيه 2.7 مليون طفل خارج المدرسة بحسب أحدث تقديرات اليونيسف، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا لا تذهب الفتيات إلى المدرسة؟ بل أيضاً: ما الذي يجعل العودة إليها صعبة بعد أن يغادرنها؟

فكل سنة دراسية تخسرها فتاة سورية قد تكون بداية لمسار طويل من الحرمان؛ وكل فتاة تعود إلى مقعدها الدراسي تمثل فرصة لاستعادة جزء من مستقبل أوسع، لا لها وحدها، بل لأسرتها والمجتمع الذي تعيش فيه.

- Advertisement -

- Advertisement -