لكل السوريين

الجنوب السوري تحت التوغل الإسرائيلي.. القنيطرة ودرعا أمام واقع أمني متصاعد

شهد الجنوب السوري، خلال الأيام الماضية، تحركات عسكرية إسرائيلية متزامنة في أجزاء من ريفي القنيطرة ودرعا، شملت توغلات برية وحواجز مؤقتة وعمليات تفتيش، بالتزامن مع إطلاق نار باتجاه مناطق سكنية وقصف مدفعي طال أطراف قرية عابدين في حوض اليرموك، في تطور يعيد تسليط الضوء على واقع أمني متوتر تعيشه المناطق الحدودية منذ نهاية عام 2024.

وفي أحدث التطورات، توغلت قوة عسكرية إسرائيلية في محيط قرية صيدا الحانوت بريف القنيطرة الجنوبي، بعد دخولها من اتجاه بوابة أبو الغيثار، وفق مصادر إعلامية سورية. وتحدثت مصادر عن مشاركة دبابات وعربات عسكرية وجنود مشاة في العملية، فيما أفادت وكالة الأنباء السورية بإطلاق نار كثيف باتجاه منازل الأهالي، إضافة إلى استهداف طواقم إعلامية كانت تغطي التطورات الميدانية. ولم ترد، حتى إعداد التقرير، معلومات مؤكدة عن وقوع إصابات بين المدنيين.

حواجز وتفتيش ومنع الرعي

ولم تقتصر التحركات على صيدا الحانوت، إذ تحدثت تقارير عن انتشار قوة إسرائيلية في محيط قرية كودنة بريف القنيطرة الجنوبي، ونصب حاجز لتفتيش المارة. كما أفادت مصادر محلية بمنع رعاة أغنام من الوصول إلى مناطق للرعي، بحجة أن المنطقة أصبحت ذات طابع أمني.

وتشير تقارير أخرى إلى أن قوة إسرائيلية مؤلفة من دبابتين وعدد من الآليات تمركزت غربي صيدا الحانوت، واقتربت من المناطق السكنية، بينما تحدث المرصد السوري لحقوق الإنسان عن حاجز مؤقت وعمليات تفتيش في المنطقة.

وتأتي هذه التحركات بعد توغل سابق خلال الأسبوع في المنطقة نفسها، حيث أفادت تقارير بدخول قوة عسكرية إسرائيلية مؤلفة من دبابتين و12 آلية من بوابة أبو الغيثار باتجاه صيدا الحانوت وصيدا الجولان، قبل انتقال جزء منها نحو مناطق في ريف درعا وانسحابها لاحقاً.

اعتقال شاب في الحميدية

وفي ريف القنيطرة أيضاً، سجلت تحركات إسرائيلية في قرية الحميدية، ترافقت بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان مع احتجاز شاب من أبناء المنطقة خلال التوغل، من دون أن تتضح حتى الآن أسباب الاحتجاز أو الجهة التي اقتيد إليها.

وتأتي هذه الحادثة ضمن سلسلة من التوغلات التي شهدتها مناطق متفرقة من القنيطرة خلال الأشهر الماضية، والتي تخللتها، بحسب تقارير إعلامية، عمليات تفتيش للمنازل واحتجازات مؤقتة وتحركات للآليات العسكرية بالقرب من التجمعات السكانية.

قصف عابدين يوسّع دائرة التوتر

وفي الجانب الآخر من الجنوب السوري، قصفت القوات الإسرائيلية أطراف قرية عابدين في ريف درعا الغربي بقذائف المدفعية، من دون ورود معلومات فورية عن وقوع إصابات أو أضرار كبيرة.

وتقع عابدين في منطقة حوض اليرموك، وهي منطقة شهدت خلال أيلول الماضي استهدافات مدفعية متكررة، ما يجعل القصف الأخير جزءاً من نمط أوسع من التصعيد العسكري في المنطقة الحدودية بين درعا والقنيطرة.

اتفاق 1974.. الإطار الذي يحيط بالتطورات

تكتسب هذه التحركات أهمية إضافية بالنظر إلى الإطار الذي أنشأه اتفاق فض الاشتباك السوري الإسرائيلي الموقع في أيار 1974. فقد نص الاتفاق على وقف إطلاق النار وفصل القوات وإنشاء منطقة فصل تشرف عليها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف»، فيما كُلّفت القوة الأممية بمراقبة تنفيذ الاتفاق والحفاظ على وقف إطلاق النار.

وينص الاتفاق، وفق وثائق الأمم المتحدة، على أن تكون المنطقة الواقعة بين خطوط الفصل منطقة فصل، وأن تخضع لمراقبة قوة الأمم المتحدة، مع ترتيبات محددة بشأن انتشار القوات والتسلح على جانبيها. كما أقر مجلس الأمن القرار 350 لعام 1974 الذي أنشأ قوة «أندوف» للإشراف على الاتفاق.

لكن التطورات التي أعقبت سقوط النظام السوري السابق في كانون الأول 2024 أدخلت الجنوب السوري في مرحلة مختلفة، مع تزايد التحركات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية وتوسّع نطاق العمليات البرية والجوية، الأمر الذي جعل القرى القريبة من المنطقة العازلة تواجه واقعاً أمنياً أكثر تعقيداً.

المدنيون في قلب المشهد

وبعيداً عن الحسابات العسكرية والسياسية، تترك هذه التطورات أثرها المباشر على السكان المحليين. فاقتراب الآليات العسكرية من القرى، وإقامة الحواجز، وتفتيش المارة، ومنع الرعاة من الوصول إلى مناطقهم، فضلاً عن إطلاق النار والقصف، كلها عوامل تزيد من حالة القلق لدى السكان الذين يعيشون أصلاً في منطقة شهدت سنوات طويلة من الحرب وعدم الاستقرار.

كما يطرح استهداف أو التضييق على الطواقم الإعلامية أثناء تغطية الأحداث سؤالاً إضافياً يتعلق بقدرة الصحفيين على نقل ما يجري ميدانياً، خصوصاً في المناطق التي يصعب الوصول إليها والتحقق من تفاصيل الأحداث فيها بصورة مستقلة. وكانت وكالة الأنباء السورية قد قالت إن طواقم إعلامية تعرضت لإطلاق نار خلال تغطية التوغل في صيدا الحانوت.

إلى أين يتجه الجنوب؟

لا تبدو التطورات الأخيرة مجرد حادثة منفردة، في ظل تكرار التوغلات والتحركات العسكرية في ريفي القنيطرة ودرعا خلال الأشهر الماضية. وفي المقابل، لا تزال الصورة السياسية والأمنية للجنوب السوري غير مستقرة، في وقت لم تتبلور فيه ترتيبات نهائية تضمن عودة الهدوء إلى المناطق الحدودية.

وبالنسبة لسكان القرى القريبة من خطوط التماس، فإن القضية لم تعد مرتبطة بحدث عسكري عابر، بل بتحول مستمر في طبيعة الحياة اليومية، حيث باتت حركة الرعاة والمزارعين والسكان مرتبطة بمستوى التوتر العسكري وانتشار القوات والحواجز.

وبينما يبقى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 الإطار الدولي الناظم للمنطقة، فإن تكرار التحركات العسكرية على الأرض يضع الجنوب السوري أمام اختبار جديد: هل تنجح الترتيبات السياسية والدولية في إعادة تثبيت الهدوء، أم يستمر الجنوب في التحول إلى منطقة مفتوحة على مزيد من التوتر والتوغلات؟

- Advertisement -

- Advertisement -