مع اقتراب فصل الشتاء، تبدأ الأسر السورية مبكراً رحلة البحث عن وسيلة أقل كلفة لتأمين التدفئة، في وقت بات فيه المازوت عبئاً إضافياً على ميزانيات الأسر، فيما لم يعد الحطب وقوداً رخيصاً كما كان في سنوات سابقة.
وتأتي أزمة التدفئة هذا العام في ظل ارتفاع أسعار المشتقات النفطية، إذ حددت وزارة الطاقة سعر ليتر المازوت القياسي بـ175 ليرة سورية جديدة، ضمن نشرة مؤقتة أعلنت في أيلول الماضي، مبررة رفع الأسعار بارتفاع تكاليف تأمين المشتقات عالمياً والحاجة إلى زيادة الاستيراد بالتزامن مع أعمال الصيانة في مصفاة بانياس.
وبالنسبة إلى كثير من الأسر، لا تتعلق المشكلة بسعر الليتر وحده، وإنما بالكمية التي تحتاج إليها طوال أشهر الشتاء، خصوصاً في المناطق الأكثر برودة، حيث يمكن أن يتحول تأمين وقود التدفئة إلى بند رئيسي في الإنفاق الشهري.
المازوت.. سعر مرتفع ودعم مشروط
وفي محاولة للتخفيف من أثر ارتفاع الأسعار، أعلنت وزارة الطاقة طرح المازوت بثلاث شرائح سعرية، من بينها مازوت مدعوم بسعر 115 ليرة سورية جديدة لليتر، مخصص للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة، إلى جانب نوع بسعر 150 ليرة للاستخدامات الإنتاجية والخدمية، فيما يبقى المازوت القياسي عند 175 ليرة.
وتقول الوزارة إن هذه الآلية تهدف إلى توجيه الدعم نحو القطاعات والفئات الأكثر حاجة، مع تخصيص كامل إنتاج عدد من المصافي الصغيرة للمازوت المدعوم. إلا أن نجاح هذا النظام يبقى مرتبطاً بآليات تحديد المستحقين وقدرة الجهات المعنية على ضبط التوزيع ومنع تسرب المادة المدعومة إلى السوق الموازية.
وتكشف أرقام وزارة الطاقة عن حجم الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، إذ تبلغ حاجة السوق السورية من المازوت نحو 7.72 ملايين ليتر يومياً، مقابل إنتاج محلي يقدر بنحو 3.09 ملايين ليتر، فيما يجري تأمين نحو 4.63 ملايين ليتر عن طريق الاستيراد، أي أن الجزء الأكبر من الإمدادات لا يزال مرتبطاً بالسوق الخارجية.
وهذا الاعتماد يجعل أسعار التدفئة شديدة التأثر بتكاليف الاستيراد والشحن والتأمين وأسعار النفط العالمية، وهي عوامل لا تملك الأسرة السورية قدرة على التحكم بها.
الحطب.. الملجأ التقليدي يعود بثمن أكبر
أمام ارتفاع كلفة المازوت، تتجه بعض الأسر إلى الحطب باعتباره بديلاً متاحاً، خصوصاً في المناطق الريفية والمناطق التي تتوافر فيها الأشجار والمخلفات الزراعية.
لكن الحطب نفسه لم يعد خياراً منخفض التكلفة. فقد سجلت أسعار الحطب ارتفاعات كبيرة في بعض المناطق، ووصل سعر الطن في القنيطرة وريف دمشق الغربي، وفق تقارير محلية حديثة، إلى نحو 50 ألف ليرة سورية جديدة، بعدما كان يتراوح في الموسم السابق بين 20 و25 ألفاً.
وفي محافظة الحسكة، دفعت صعوبة تأمين المازوت وغياب مخصصات التدفئة بعض الأسر إلى البحث عن بدائل أخرى، بينها الحطب ومخلفات المحاصيل والأخشاب، فيما لجأت أسر أكثر فقراً إلى مواد غير مخصصة أساساً للتدفئة.
وهنا تتحول المعادلة من البحث عن «بديل أرخص» إلى البحث عن «أقل الخيارات كلفة»، إذ لم يعد الحطب متاحاً لجميع الأسر بالسعر الذي يسمح بالاعتماد عليه طوال فصل الشتاء.
عندما تتحول التدفئة إلى منافسة مع الغذاء
ارتفاع كلفة التدفئة لا يحدث بمعزل عن بقية المصاريف. فالأسرة التي تخصص جزءاً كبيراً من دخلها لشراء المازوت أو الحطب تجد نفسها مضطرة إلى تخفيض إنفاقها على احتياجات أخرى، مثل الغذاء والدواء والملابس.
وفي المناطق الباردة، تصبح المشكلة أكثر وضوحاً، لأن كمية الوقود المطلوبة لا تتناسب دائماً مع قدرة الأسرة المالية. وقد تلجأ بعض العائلات إلى تشغيل المدفأة لساعات أقل، أو الاكتفاء بتدفئة غرفة واحدة، أو الاعتماد على الملابس والأغطية الثقيلة بدلاً من تشغيل المدفأة طوال اليوم.
وتشير تقديرات اقتصادية حديثة إلى أن حاجة الأسرة إلى المازوت خلال فصل الشتاء يمكن أن تتراوح بين نحو 600 و1000 ليتر في بعض المناطق، بينما ترتفع في المناطق الجبلية والأكثر برودة إلى ما بين 1500 و2000 ليتر، ما يجعل كلفة التدفئة عبئاً كبيراً بالنسبة إلى الأسر ذات الدخل المحدود.
بدائل أكثر خطورة
ولا تقتصر البدائل على الحطب، إذ يمكن أن تدفع الضائقة الاقتصادية بعض الأسر إلى استخدام مخلفات زراعية أو مواد غير مخصصة أصلاً للحرق، وفي بعض الحالات البلاستيك والنايلون والملابس القديمة.
ورغم أن هذه الخيارات قد تبدو أقل تكلفة، فإنها تحمل مخاطر صحية وبيئية، نتيجة الأبخرة والغازات الناتجة عن احتراق مواد غير مخصصة للتدفئة، فضلاً عن زيادة احتمالات اندلاع الحرائق داخل المنازل.
كما أن ارتفاع الطلب على الحطب قد يشجع على قطع الأشجار بصورة غير منظمة، ما يضيف ضغطاً جديداً على الغطاء النباتي في المناطق التي تعاني أصلاً من التراجع البيئي.
وفي الحسكة، تحدثت تقارير محلية عن ظهور اعتداءات على بعض الأشجار والحدائق بهدف الحصول على الحطب، في مؤشر على أن أزمة التدفئة يمكن أن تتحول من مشكلة اقتصادية إلى مشكلة بيئية أيضاً.
الكهرباء ليست حلاً متاحاً للجميع
أما الكهرباء، التي قد تبدو بديلاً نظيفاً للتدفئة، فلا تشكل حلاً سهلاً لجميع الأسر. فتشغيل المدافئ الكهربائية لساعات طويلة يرفع الاستهلاك، بينما تبقى القدرة على تأمين الكهرباء واستمرارها عاملاً حاسماً في إمكانية الاعتماد عليها.
وبذلك تجد الأسرة السورية نفسها أمام خيارات محدودة: مازوت مرتفع الكلفة، وحطب ارتفعت أسعاره، وكهرباء تحتاج إلى استهلاك مستمر، وبدائل أخرى قد تكون أقل كلفة لكنها أكثر خطورة.
فجوة بين سعر الوقود وقدرة الناس
وتشير الاحتجاجات التي شهدتها مناطق سورية بعد رفع أسعار المحروقات في أيلول إلى حجم الحساسية الاجتماعية لأسعار الطاقة. فقد أدى رفع سعر المازوت إلى 175 ليرة جديدة لليتر إلى موجة احتجاجات، في وقت تواجه فيه الأسر أصلاً تراجعاً كبيراً في قدرتها الشرائية.
ومن هنا، فإن نجاح سياسة تسعير المازوت لا يقاس فقط بقدرتها على تأمين المادة في الأسواق أو تغطية جزء من تكاليف الاستيراد، بل أيضاً بمدى قدرتها على حماية الأسر الأكثر هشاشة من الوقوع في أزمة تدفئة خلال الشتاء.
الشتاء أمام اختبار الدعم
تأمين مازوت التدفئة بسعر مدعوم يمكن أن يخفف العبء عن الأسر، لكن التحدي يكمن في وصول المادة فعلياً إلى مستحقيها، وفي الكمية التي يمكن توفيرها، وفي منع تحول فارق السعر بين المازوت المدعوم والمازوت القياسي إلى فرصة للمضاربة أو التسرب.
ومع اقتراب الشتاء، تبدو الحاجة أكبر إلى سياسة واضحة للتدفئة، لا تقتصر على تحديد سعر الليتر، وإنما تشمل تحديد الفئات الأكثر حاجة، وضمان وصول المخصصات في الوقت المناسب، ومراقبة الأسواق، وتشجيع بدائل أكثر أماناً وكفاءة.
فالشتاء بالنسبة إلى كثير من السوريين لم يعد مجرد فصل بارد، بل موسم ترتفع فيه فاتورة المعيشة. وبين أسرة تحاول تأمين برميل مازوت، وأخرى تبحث عن حمولة حطب، وثالثة تقلل ساعات تشغيل المدفأة، تتضح المشكلة الأساسية: حين يصبح تأمين الدفء نفسه عبئاً اقتصادياً، فإن أزمة الطاقة تتحول مباشرة إلى أزمة معيشية.