لم تكن الأسواق القديمة في المدن السورية مجرد أماكن لشراء الحاجيات، بل كانت جزءاً من ذاكرة المدن وهويتها الاجتماعية والاقتصادية. ففي الأزقة الضيقة، وبين الدكاكين الصغيرة، نشأت مهن وحرف توارثتها عائلات سورية جيلاً بعد آخر، حتى أصبحت بعض الأسواق مرتبطة بحرفة محددة أو منتج اشتهرت به المدينة على مدى عقود طويلة.
وكان الحرفي في تلك الأسواق يؤدي أكثر من وظيفة اقتصادية؛ فقد كان يحمل معرفة متراكمة تتعلق بطريقة صناعة المنتجات والمواد المستخدمة فيها وأسرار المهنة التي لم تكن تُكتب في الكتب، وإنما تنتقل من الآباء إلى الأبناء ومن المعلمين إلى المتدربين.
الحرفة.. مهنة وذاكرة
عرفت المدن السورية على اختلافها العديد من الحرف التقليدية، بينها صناعة النحاس، والخشب، والنسيج، والفخار، والصابون، والأحذية، إلى جانب أعمال التطريز والخياطة وصناعة الأدوات المنزلية. وبعض هذه المهن ارتبط بمناطق وأسواق بعينها، حتى أصبح اسم الحرفة جزءاً من صورة المدينة وذاكرتها.
وفي دمشق، ارتبطت الأسواق القديمة تاريخياً بصناعات وحرف متنوعة، بينما عرفت حلب تقاليد واسعة في النسيج والصابون والأعمال النحاسية، واشتهرت مدن أخرى بحرف مرتبطة بالبيئة المحلية والمواد المتوفرة فيها.
وفي المناطق الشرقية من سوريا، ومنها الرقة ودير الزور والحسكة، نشأت بدورها حرف مرتبطة بالحياة الزراعية والريفية، حيث اعتمد السكان على صناعة الأدوات المستخدمة في الزراعة وتربية الحيوانات، إلى جانب النسيج والأعمال اليدوية التي كانت تؤديها النساء داخل المنازل.
من الإنتاج المحلي إلى الأسواق الحديثة
مع مرور السنوات، تغيرت طبيعة الأسواق السورية. فقد أدى انتشار المصانع والمنتجات التجارية الرخيصة إلى تراجع الطلب على بعض المنتجات اليدوية، فيما ساهمت الظروف الاقتصادية والهجرة وتراجع القدرة الشرائية في دفع عدد من الحرفيين إلى ترك المهنة والبحث عن مصادر دخل أخرى.
وأصبحت بعض الحرف التي كانت منتشرة في الماضي مهددة بالاختفاء، ليس بسبب فقدان المهارة لدى الحرفيين فحسب، وإنما بسبب صعوبة انتقالها إلى جيل جديد يرى في بعض المهن التقليدية عملاً شاقاً لا يوفر دخلاً مستقراً.
وتزداد المشكلة عندما يتوفى أصحاب الخبرة دون أن يجدوا من يتعلم منهم، لتضيع معهم تفاصيل صغيرة قد لا يمكن استعادتها بسهولة، بدءاً من طرق اختيار المواد ووصولاً إلى أساليب التصنيع والزخرفة.
الحرف اليدوية أمام تحدي البقاء
لا يقتصر الحفاظ على الحرف التقليدية على إبقاء المنتجات القديمة في الأسواق أو عرضها في المتاحف، بل يرتبط بقدرة هذه المهن على التكيف مع الحياة الحديثة.
فالحرفة التي تستطيع الوصول إلى المستهلك الجديد، وتطوير تصميماتها، والاستفادة من وسائل التسويق الحديثة، قد تجد فرصة للاستمرار، بينما تبقى الحرف التي تعتمد على السوق المحلي وحده أكثر عرضة للتراجع.
ويرى مهتمون بالتراث أن دعم الحرفيين لا ينبغي أن يقتصر على المعارض والمهرجانات، بل يحتاج إلى برامج تدريبية تساعد الشباب على تعلم المهن القديمة، إضافة إلى تسهيل وصول المنتجات إلى الأسواق المحلية والخارجية، وتحويل بعض الحرف إلى مشاريع اقتصادية قادرة على توفير دخل لأصحابها.
النساء.. ذاكرة حرفية لا تظهر في الأسواق
ولم تكن المحافظة على الحرف التقليدية مسؤولية الرجال وحدهم، فالنساء السوريات لعبن دوراً أساسياً في نقل كثير من المهارات، خصوصاً في مجالات التطريز والنسيج وصناعة بعض المنتجات المنزلية.
وفي العديد من المناطق، كانت المرأة تتعلم المهنة داخل الأسرة منذ طفولتها، وتستخدمها لاحقاً في تجهيز احتياجات المنزل أو توفير مصدر دخل إضافي للأسرة.
لكن هذه المعرفة بقيت في كثير من الأحيان خارج التوثيق الرسمي، ما يجعل جزءاً من تاريخ الحرف السورية مرتبطاً بذاكرة النساء وقصصهن وتجاربهن اليومية أكثر من ارتباطه بالكتب والسجلات.
من الذاكرة إلى المستقبل
الحفاظ على الحرف القديمة لا يعني إعادة المدن إلى الماضي، بل محاولة منع انقطاع واحدة من حلقات الذاكرة السورية. فالحرفة التقليدية تحمل في تفاصيلها معلومات عن طريقة عيش الناس، والمواد التي استخدموها، والأذواق التي شكلت ثقافتهم، والعلاقات الاجتماعية التي نشأت حول الأسواق.
وبينما تتغير المدن السورية بسرعة، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت الأجيال الجديدة ستجد ما يكفي من المساحات لتتعرف إلى هذه الحرف وتتعلمها، أم أن بعضها سيبقى مجرد صور محفوظة في أرشيفات قديمة.
فالمدن لا تفقد ذاكرتها عندما تتغير أبنيتها فقط، وإنما عندما تختفي المهن والأصوات والمهارات التي صنعت حياتها اليومية. وربما يكون إنقاذ حرفة قديمة، في نهاية المطاف، إنقاذاً لجزء من قصة مدينة كاملة.