لم يعد شراء الملابس والأجهزة والأدوات المنزلية وحتى بعض الخدمات عبر صفحات التواصل الاجتماعي في سوريا مجرد خيار ثانوي، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى سوق موازٍ تتسع مساحته مع انتشار الهواتف والمنصات الرقمية.
صورة جذابة، سعر أقل من السوق، وعبارة «التوصيل إلى باب المنزل» قد تكون كافية لدفع المستهلك إلى اتخاذ قرار الشراء خلال دقائق. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عند وصول الطرد؛ فبينما يصل بعض المشترين إلى ما طلبوه، يواجه آخرون سلعة مختلفة عن الإعلان، أو منتجاً ناقصاً، أو طرداً لا يحتوي على ما دفعوا ثمنه، فيما تصبح مهمة العثور على البائع بعد إتمام العملية أصعب عندما يكون الحساب مجهولاً أو بلا عنوان تجاري واضح.
وتشير تقارير محلية حديثة إلى اتساع هذا النمط من التجارة، في وقت تعمل فيه الجهات الرسمية على تطوير البيئة القانونية والتقنية للتجارة الإلكترونية، ما يضع السوق السورية أمام مفارقة واضحة: التجارة الرقمية تتقدم بسرعة، بينما لا تزال أدوات ضبط بعض أنشطتها عبر صفحات التواصل الاجتماعي قيد التطوير.
قنينة مياه بدلاً من الحذاء
من أكثر القصص التي تكشف المفارقة بين الإعلان والواقع تجربة مواطن سوري تحدث عن شرائه حذاء عبر صفحة على «فيسبوك» عام 2020، بعد الاتفاق مع البائعة على السعر والدفع عند الاستلام.
بحسب روايته التي نقلتها «داما بوست»، دفع نحو 400 ألف ليرة سورية، لكنه فوجئ عند فتح الطرد بوجود قنينة مياه بدلاً من الحذاء، قبل أن يكتشف أن التواصل مع صاحبة الصفحة أصبح مستحيلاً بعد حظره من الحساب.
القصة، رغم أنها تعود إلى سنوات، تكشف إحدى المشكلات الأساسية في هذا النوع من البيع: عندما لا يعرف المستهلك الاسم التجاري الحقيقي للبائع أو عنوانه أو بياناته، قد تتحول عملية استرداد الحق إلى محاولة للعثور على الشخص الذي حصل على المال أصلاً.
ولا تعني هذه الواقعة أن جميع الصفحات الإلكترونية تمارس الاحتيال، فهناك آلاف التجار وأصحاب المشاريع الذين يستخدمون وسائل التواصل لتسويق منتجات حقيقية. لكن المشكلة تكمن في أن المنصة نفسها لا تكفي دائماً لإثبات هوية البائع أو ضمان جودة المنتج أو تنفيذ عملية الاستبدال والإرجاع.
سوق يكبر خارج المتجر
ساهمت الظروف الاقتصادية وارتفاع تكاليف تشغيل المتاجر التقليدية في دفع عدد من أصحاب المشاريع الصغيرة إلى وسائل التواصل الاجتماعي كنافذة منخفضة التكلفة للوصول إلى الزبائن.
وفي المقابل، وجد المستهلكون في هذه الصفحات وسيلة سهلة للمقارنة بين المنتجات والأسعار وطلب السلع من المنزل، خصوصاً في المدن التي تعاني من صعوبة الوصول إلى بعض الأسواق أو ارتفاع تكاليف النقل.
وتشير تقارير اقتصادية سورية إلى أن انتشار التجارة الرقمية يفتح فرصاً أمام المشاريع الصغيرة للوصول إلى عدد أكبر من المستهلكين، لكنه في الوقت نفسه يجعل جزءاً من النشاط التجاري خارج المنظومة الرسمية، ويزيد صعوبة معرفة حجم السوق وضبط الجودة وحماية المستهلك.
وهنا تظهر مشكلة أخرى: فليس كل حساب على «فيسبوك» أو «إنستغرام» متجراً بالمعنى القانوني الواضح، وقد لا يعرف المشتري إن كان يتعامل مع صاحب محل مرخص، أو مشروع منزلي، أو وسيط، أو شخص يبيع بشكل عابر.
ماذا يقول الإطار الرقابي؟
تؤكد وزارة الاقتصاد، وفق ما نقلته تقارير محلية حديثة عن دائرة حماية المستهلك، أن البيع عبر الوسائل الإلكترونية وصفحات التواصل لا يخرج تلقائياً من نطاق حماية المستهلك متى توافرت عناصر عملية البيع.
وبحسب ما نقل عن رئيس دائرة حماية المستهلك أحمد الحمشو، فإن الحماية تشمل مطابقة السلعة للوصف والمواصفات، ووضوح السعر والبيانات الأساسية، وإثبات عملية الشراء، والحماية من الغش والتضليل.
لكن المشكلة العملية تبدأ عندما تكون هوية البائع غير واضحة.
فالمستهلك الذي يحتفظ بصورة الإعلان، ومحادثة الاتفاق، ورقم الهاتف، وإثبات الدفع، وبيانات التوصيل، يمتلك أدوات أقوى عند تقديم شكوى من شخص دفع المال ثم حذف المحادثة أو لم يحتفظ بأي دليل على الصفقة.
ولهذا تتحول لقطة الشاشة أحياناً إلى جزء أساسي من ملف الشكوى؛ فهي قد توثق السعر، وصورة المنتج، واسم الصفحة، والوعود التي قدمها البائع للمشتري.
عندما يختفي البائع
أحد أبرز التحديات في التجارة عبر صفحات التواصل هو سهولة تغيير هوية الصفحة أو رقم الهاتف، الأمر الذي قد يجعل الوصول إلى البائع أكثر تعقيداً.
ففي المتجر التقليدي، يستطيع المستهلك معرفة موقع المنشأة والعودة إليها وطلب فاتورة أو تقديم شكوى إلى الجهات الرقابية. أما في بعض عمليات البيع عبر الحسابات الشخصية، فقد تنحصر العلاقة بين الطرفين برسائل إلكترونية ورقم هاتف وحساب على منصة اجتماعية.
ولهذا لا تتعلق حماية المستهلك بالرقابة على السلعة فقط، وإنما أيضاً بقدرة الجهات المعنية على تحديد هوية من يقف خلف عملية البيع.
وتزداد أهمية هذه النقطة مع تحذيرات مركز أمن المعلومات في سوريا من الإعلانات والروابط الاحتيالية على منصات التواصل الاجتماعي، ودعوته المواطنين إلى الاحتفاظ بالأدلة الرقمية عند الاشتباه بمحاولة احتيال وعدم مشاركة البيانات الشخصية أو المصرفية ورموز التحقق مع جهات غير موثوقة.
التجارة الإلكترونية تدخل مرحلة جديدة
في المقابل، بدأت تظهر خلال عام 2026 خطوات باتجاه بناء سوق إلكترونية أكثر تنظيماً في سوريا.
وفي 26 أيلول الماضي، أُطلقت منصة «زد» للمتاجر الإلكترونية في سوريا برعاية وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات، ضمن توجه رسمي لدعم التجارة الإلكترونية وتوفير أدوات تقنية للتجار وأصحاب المشاريع. وقال وزير الاتصالات عبد السلام هيكل إن الوزارة تعمل على تطوير البنية التحتية والتشريعات المرتبطة بالتجارة الإلكترونية، بما في ذلك تعديل قانوني المعاملات الإلكترونية والتوقيع الإلكتروني، بالتوازي مع تطوير خدمات البريد والدفع.
كما أشارت الوزارة إلى أن الدفع الإلكتروني يمثل جزءاً أساسياً من منظومة التجارة الإلكترونية، في وقت تشارك فيه جهات حكومية وتجارية وتقنية في بحث تطوير هذا القطاع.
هذه الخطوات يمكن أن تفتح الباب أمام انتقال جزء من البيع الإلكتروني من صفحات شخصية يصعب التحقق منها إلى متاجر ومنصات تمتلك بيانات أوضح عن البائع والمنتج والدفع والتوصيل.
المستهلك أمام مسؤولية أيضاً
في ظل اتساع السوق الإلكترونية، لا تقع المسؤولية كلها على الجهات الرقابية أو البائعين. فالمستهلك نفسه يستطيع تقليل احتمالات تعرضه للخسارة من خلال التعامل بحذر قبل دفع المال.
فالاحتفاظ بالإعلان والمحادثات وإثبات الدفع، والتأكد من اسم البائع ورقم هاتفه وعنوانه، وطلب تفاصيل المنتج والسعر النهائي وسياسة الاستبدال، كلها إجراءات قد تصبح حاسمة عند وقوع خلاف.
كما أن مركز أمن المعلومات السوري شدد على ضرورة الاحتفاظ بالأدلة الرقمية عند الاشتباه بعملية احتيال، وعدم مشاركة البيانات الحساسة أو رموز التحقق مع جهات غير موثوقة.
بين سرعة السوق وبطء التنظيم
التحدي السوري اليوم لم يعد في إقناع الناس بالشراء عبر الإنترنت؛ فالسوق قطعت هذه المرحلة بالفعل. التحدي أصبح في بناء علاقة أكثر وضوحاً بين البائع والمشتري، بحيث يعرف المستهلك ممن يشتري، وما حقوقه إذا وصلته سلعة مختلفة، وإلى من يلجأ عندما يختفي الطرف الآخر.
ومع توجه الحكومة إلى تطوير التجارة الإلكترونية والبنية التحتية المرتبطة بها، تبدو الحاجة قائمة إلى أن تسير عملية تنظيم السوق بالسرعة نفسها التي يتوسع بها البيع عبر الهواتف وصفحات التواصل.
فالمشكلة ليست في أن يشتري السوري حذاءً من صورة على شاشة، وإنما في أن يفتح الطرد فيجد شيئاً آخر، ثم يبدأ رحلة البحث عن صاحب الصورة.