لكل السوريين

الشرق الأوسط بين حافة الحرب وحسابات الردع

لم تعد التوترات المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل مجرد أزمة سياسية عابرة يمكن احتواؤها عبر التصريحات الدبلوماسية أو الوساطات الدولية التقليدية، بل تحولت إلى مشهد إقليمي مفتوح على احتمالات متعددة، تبدأ بالتصعيد الأمني المحدود ولا تنتهي عند احتمال الانفجار العسكري الواسع. فالمنطقة اليوم تعيش واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، وسط تغيرات متسارعة في موازين القوى وتحولات سياسية تعيد تشكيل طبيعة الصراع في الشرق الأوسط.
إسرائيل، التي تعتبر المشروع الإيراني التهديد الاستراتيجي الأكبر لها، لم تعد تخفي توجهها نحو توسيع سياسة المواجهة المباشرة مع طهران. فخلال الفترة الأخيرة، كثفت تل أبيب من عملياتها العسكرية والاستخباراتية في عدة ساحات إقليمية، ورفعت من مستوى خطابها السياسي تجاه البرنامج النووي الإيراني والنفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة. وتعتقد القيادة الإسرائيلية أن أي تراجع في الضغط على إيران سيمنحها فرصة لتعزيز حضورها العسكري والسياسي، وهو ما تعتبره تل أبيب تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
في المقابل، تدرك إيران أن الضغوط الأميركية والإسرائيلية لا تستهدف فقط برنامجها النووي، بل تسعى أيضاً إلى تقليص نفوذها الإقليمي وإعادة رسم التوازنات السياسية في الشرق الأوسط. لذلك تحاول طهران إدارة المواجهة وفق سياسة تقوم على مبدأ “الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة”، مستفيدة من شبكة التحالفات والقوى المرتبطة بها في عدد من دول المنطقة. غير أن هذه السياسة أصبحت تواجه تحديات متزايدة مع اتساع دائرة الضغوط الاقتصادية والعسكرية عليها.
أما الولايات المتحدة، فتبدو في موقع معقد بين رغبتها في تجنب حرب جديدة في الشرق الأوسط، وبين التزامها بحماية إسرائيل والحفاظ على نفوذها الاستراتيجي في المنطقة. واشنطن تدرك أن أي مواجهة واسعة مع إيران ستكون مكلفة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، خصوصاً في ظل الأزمات الدولية الأخرى التي تواجهها، لكنها في الوقت ذاته لا تريد أن تظهر بمظهر المتراجع أمام خصومها أو حلفائها.
المشكلة الأساسية أن جميع الأطراف باتت تتحرك ضمن هامش ضيق للغاية، حيث يمكن لأي خطأ ميداني أو حسابات خاطئة أن يدفع المنطقة نحو تصعيد يصعب احتواؤه. فالضربات المتبادلة، وعمليات الاغتيال، والهجمات غير المباشرة، والتوتر في الممرات البحرية، كلها عوامل تجعل المشهد أكثر هشاشة وتعقيداً.
وفي خضم هذا الصراع، تبقى دول المنطقة وشعوبها هي الطرف الأكثر تأثراً. فالشرق الأوسط الذي يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية وأمنية وسياسية متراكمة، لا يحتمل مواجهة جديدة قد تؤدي إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار. كما أن استمرار حالة التوتر ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بأسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية.
ورغم التصعيد المستمر، لا يبدو أن أياً من الأطراف يرغب فعلياً في الذهاب إلى حرب شاملة، لأن الجميع يدرك أن كلفة المواجهة ستكون مرتفعة وغير مضمونة النتائج. لكن الخطورة تكمن في أن استمرار سياسة الضغط المتبادل قد يؤدي في لحظة ما إلى انفجار غير محسوب، خصوصاً في منطقة تتشابك فيها المصالح والتحالفات والصراعات بشكل معقد.
في النهاية، يبدو أن الشرق الأوسط يقف اليوم عند نقطة فاصلة بين خيارين؛ إما العودة إلى مسار التفاهمات السياسية ومحاولات خفض التوتر، أو الانزلاق التدريجي نحو مواجهة أوسع قد تغيّر شكل المنطقة لسنوات طويلة قادمة. وبين هذين الخيارين، تبقى المنطقة رهينة حسابات القوة والردع، في وقت تتراجع فيه فرص الحلول الدبلوماسية أمام لغة التصعيد والمصالح المتضاربة.

- Advertisement -

- Advertisement -