واشنطن تراهن على دعم الجيش والاقتصاد مقابل خطوات قابلة للقياس.. وبيروت تحاول الموازنة بين تنفيذ الالتزامات وتجنب صدام داخلي
تدخل العلاقة بين الولايات المتحدة ولبنان مرحلة جديدة، تبدو فيها واشنطن أكثر ميلاً إلى ربط الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري بمدى قدرة الدولة اللبنانية على استعادة احتكارها للسلاح وتقليص نفوذ حزب الله، في وقت تواجه فيه بيروت معادلة شديدة التعقيد بين متطلبات السيادة، والضغوط الأميركية، وضرورة تجنب الانزلاق إلى مواجهة داخلية.
وتبرز هذه المقاربة بوضوح منذ توقيع الإطار الثلاثي بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل في 26 حزيران/يونيو، والذي وضع مساراً تدريجياً لعودة سلطة الدولة اللبنانية إلى كامل أراضيها، بالتوازي مع نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وفي مقدمتها حزب الله، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية.
ولم يكن لقاء الرئيس اللبناني جوزاف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض في 21 تموز/يوليو مجرد محطة بروتوكولية، بل جاء في لحظة مفصلية بالنسبة إلى مستقبل التفاهمات اللبنانية–الإسرائيلية. وأبدى ترامب استعداداً لتقديم دعم واسع للبنان، فيما كانت بيروت تسعى إلى الحصول على دعم أميركي للجيش والاقتصاد، والضغط في المقابل من أجل انسحاب إسرائيلي تدريجي من الجنوب.
لكن خلف هذه الوعود، تبدو واشنطن معنية أكثر بتحويل الدعم إلى أداة تأثير، بحيث لا تحصل بيروت على كامل المكاسب قبل إثبات قدرتها على تنفيذ التزاماتها.
معادلة جديدة: الدعم مقابل الأداء
ينطلق التصور الأميركي من فكرة بسيطة في ظاهرها: مساعدة لبنان على بناء دولة قوية وقادرة على فرض سلطتها، مقابل خطوات عملية لإنهاء الوجود العسكري المستقل لحزب الله.
الإطار الموقع في حزيران وضع بالفعل آلية تدريجية تقوم على إنشاء مناطق تجريبية تتولى فيها القوات اللبنانية المسؤولية الأمنية، على أن يتزامن ذلك مع انسحاب إسرائيلي محدود، ثم الانتقال إلى مراحل أخرى وفق مستوى التقدم والتحقق من عدم عودة البنية العسكرية لحزب الله.
وهنا تكمن أهمية مفهوم «الأداء» في السياسة الأميركية الجديدة. فالمطلوب ليس مجرد تعهدات سياسية من الحكومة اللبنانية، وإنما نتائج يمكن التحقق منها على الأرض: انتشار الجيش، بسط سلطة الدولة، تفكيك البنية العسكرية للحزب، ومنع إعادة بناء قدراته في المناطق التي تنسحب منها إسرائيل.
وقد أشار الإطار إلى مسار يقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي من المناطق التي يجري فيها تفكيك البنية العسكرية لحزب الله، ثم انتشار الجيش اللبناني وتحمله المسؤولية الأمنية الكاملة، مع وجود دور أميركي في المراقبة والتنسيق.
عون أمام معادلة أكثر تعقيداً
غير أن ما تراه واشنطن مساراً تنفيذياً واضحاً، تبدو بيروت أمامه كمعادلة سياسية وأمنية شديدة الحساسية.
فالرئيس جوزاف عون أعلن خلال زيارته إلى واشنطن أن نزع سلاح حزب الله ممكن، لكنه ربطه بجملة من الشروط، أبرزها إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتولي الجيش اللبناني السيطرة الكاملة، وإطلاق عملية إعادة إعمار تتولاها الدولة.
وتكشف هذه المواقف عن اختلاف في ترتيب الأولويات. فواشنطن وإسرائيل تريدان رؤية تقدم ملموس في ملف السلاح قبل الانتقال إلى مراحل واسعة من الانسحاب، بينما ترى بيروت أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الجنوب يجعل عملية نزع السلاح أكثر صعوبة، ويمنح حزب الله مبرراً سياسياً للاستمرار في رفض التخلي عن ترسانته.
أما الحزب نفسه، فقد رفض الاتفاق الذي جرى التوصل إليه بين بيروت وإسرائيل، وأعلن تمسكه بسلاحه، في موقف يجعل تنفيذ أي خطة لنزع السلاح على المستوى الوطني أكثر تعقيداً.
واشنطن لا تريد تكرار تجربة الماضي
تدرك الإدارة الأميركية أن تقديم الدعم للبنان من دون شروط قد يضعف قدرتها على الضغط في مرحلة لاحقة. وفي المقابل، فإن تشديد الشروط إلى درجة تجعل تنفيذها مستحيلاً قد يدفع بيروت إلى البحث عن خيارات أخرى، أو يفاقم الانقسامات الداخلية.
ومن هنا تأتي أهمية ما يمكن تسميته بسياسة «المكافأة مقابل الأداء»: دعم الجيش اللبناني، والمساعدات الاقتصادية، والاستثمارات، والمساعدة في إعادة الإعمار، كلها يمكن أن تتحول إلى أدوات نفوذ إذا جرى توزيعها على مراحل مرتبطة بنتائج محددة.
وقد أعلنت واشنطن بالفعل عن مساعدات إنسانية بقيمة 100 مليون دولار، إلى جانب دعم مرتبط بتدريب القوات اللبنانية، ضمن إطار الاتفاق الجديد.
لكن السؤال يبقى: هل تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على هذا النفوذ إذا قدمت الجزء الأكبر من الحوافز قبل أن تبدأ بيروت بتنفيذ التزاماتها؟
الإجابة ستحدد إلى حد كبير مستقبل السياسة الأميركية في لبنان.
الجيش اللبناني في قلب الاختبار
في هذه المعادلة، يحتل الجيش اللبناني موقعاً محورياً. فالإطار الأميركي–اللبناني–الإسرائيلي يعول على قدرة الجيش على الانتشار في المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، وضمان عدم عودة حزب الله إلى إعادة بناء بنيته العسكرية فيها.
وهذا يعني أن واشنطن لا تنظر إلى دعم الجيش باعتباره مساعدة عسكرية فقط، وإنما باعتباره استثماراً في إعادة بناء سلطة الدولة.
لكن الجيش يحتاج في المقابل إلى التمويل والتجهيز والتدريب والغطاء السياسي، وهي عوامل تجعل الدعم الأميركي والغربي جزءاً أساسياً من نجاح أي خطة.
وتكمن المفارقة هنا في أن واشنطن تريد جيشاً لبنانياً قوياً قادراً على فرض سيادة الدولة، لكنها تريد في الوقت ذاته أن تربط الدعم الذي يسمح ببناء هذه القدرة بمدى تقدم الجيش في تنفيذ مهمة شديدة الحساسية، هي إنهاء السلاح خارج مؤسسات الدولة.
عقدة الانسحاب الإسرائيلي
يبقى الانسحاب الإسرائيلي أحد أكثر الملفات تعقيداً في المعادلة.
فالإطار الموقع في حزيران لا يقوم على جدول زمني ثابت للانسحاب، بل على تقدم قابل للقياس في ملف نزع السلاح والسيطرة الأمنية. وقد أكدت إسرائيل أن انسحابها التدريجي يرتبط بالتأكد من تفكيك البنية العسكرية لحزب الله ومنع عودته إلى المناطق التي ستخليها.
في المقابل، ترى بيروت أن الانسحاب الإسرائيلي شرط أساسي لإنجاح عملية نزع السلاح، وهو ما عبّر عنه عون خلال زيارته إلى واشنطن.
وهكذا تبدو الأطراف عالقة في معادلة متبادلة: إسرائيل تريد ضمانات قبل الانسحاب، ولبنان يريد الانسحاب قبل استكمال عملية نزع السلاح، بينما يرفض حزب الله أساساً ربط مستقبله العسكري بهذه التفاهمات.
وقد يؤدي استمرار هذا الخلاف إلى إبطاء تنفيذ الاتفاق وتحويل المناطق التجريبية إلى اختبار طويل لمدى قدرة الأطراف على الالتزام بالتعهدات.
المعركة لا تتوقف عند السلاح
ولا تقتصر المواجهة على الجانب العسكري، إذ إن أي محاولة لإضعاف قدرة حزب الله على إعادة بناء نفوذه ستحتاج أيضاً إلى معالجة شبكاته المالية والاقتصادية.
فحتى لو تمكن الجيش من فرض سيطرته على مناطق محددة، فإن بقاء مصادر التمويل والشبكات الاقتصادية التي تسمح بإعادة بناء القدرات العسكرية قد يجعل أي نزع للسلاح مؤقتاً.
ومن هنا، فإن نجاح الخطة الأميركية لا يتوقف على عدد المواقع التي ينتشر فيها الجيش اللبناني، وإنما على قدرة الدولة على منع إعادة إنتاج البنية العسكرية والسياسية التي تحاول واشنطن وإسرائيل تفكيكها.
ترامب أمام اختبار النفوذ
المشكلة التي تواجه ترامب هي أن الولايات المتحدة تحتاج إلى لبنان قوياً كي تنجح سياستها، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول المساعدات الأميركية إلى دعم غير مشروط لا يحقق أهدافها.
فإذا حصلت بيروت على الدعم الاقتصادي والسياسي والعسكري قبل تنفيذ التزاماتها، فقد تفقد واشنطن جزءاً مهماً من قدرتها على التأثير.
أما إذا ربطت واشنطن كل مرحلة من مراحل الدعم بنتائج واضحة وقابلة للتحقق، فقد تتمكن من تحويل المساعدات إلى وسيلة ضغط فعالة، من دون التخلي عن دعم الدولة اللبنانية.
وهذا ما يجعل السياسة الأميركية الحالية مختلفة عن مجرد محاولة عزل حزب الله أو الضغط على الحكومة اللبنانية؛ فهي تسعى إلى إعادة بناء ميزان القوى داخل الدولة نفسها، بحيث يصبح الجيش والمؤسسات الرسمية الطرف الأقوى في تحديد مستقبل الأمن والسيادة.
هل تنجح «المكافأة مقابل الأداء»؟
الاختبار الحقيقي أمام ترامب لن يكون في إعلان الدعم للبنان، بل في كيفية استخدامه.
فنجاح السياسة يتطلب معايير واضحة: تقدم فعلي في انتشار الجيش، انسحاب إسرائيلي متدرج وقابل للتحقق، منع عودة البنية العسكرية لحزب الله، وضمان عدم تحول عملية نزع السلاح إلى مواجهة داخلية مفتوحة.
كما يتطلب الأمر الحفاظ على قنوات سياسية تمنح بيروت مساحة للتحرك من دون دفعها إلى مواجهة مباشرة مع الحزب.
المعادلة الأكثر صعوبة أمام واشنطن هي أن تساعد لبنان على بناء مؤسسات قوية، من دون أن تمنح الأطراف الأخرى الوقت لإعادة ترتيب أوراقها، وأن تستخدم الانسحاب الإسرائيلي كجزء من الحل لا كبديل عن معالجة ملف السلاح.
وفي النهاية، لا يبدو أن معركة ترامب في لبنان تقتصر على إبعاد بيروت عن طهران أو تقليص نفوذ حزب الله، بل تتعلق بإعادة تعريف مفهوم الدولة اللبنانية نفسها: من دولة تتعايش مع تعدد مراكز القوة، إلى دولة تحتكر قرار الحرب والسلم والسلاح.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع بيروت تحويل الدعم الأميركي إلى قوة مؤسساتية تعيد للدولة قرارها، أم أن التعقيدات الداخلية والواقع الميداني سيجعلان من سياسة «المكافأة مقابل الأداء» مساراً طويلاً يستهلك النفوذ الأميركي قبل تحقيق أهدافه؟