لكل السوريين

غوطة دمشق بعد 13 عاماً.. مجزرة السلاح الكيماوي التي غيّرت مسار الحرب السورية

في 21 آب 2013 استيقظت الغوطة على واحدة من أكثر الهجمات دموية في الحرب السورية.. السارين في أجساد المدنيين، ومئات الأطفال بين الضحايا، وأسئلة لم تُغلق ملفاتها بالكامل حتى اليوم

في الساعات الأولى من يوم 21 آب/أغسطس 2013، لم تكن الغوطة الشرقية والغربية لدمشق تعرف أن ذلك اليوم سيصبح واحداً من أكثر الأيام دموية في تاريخ الحرب السورية.

كانت مناطق مأهولة بالمدنيين، بينها عين ترما وزملكا والمعضمية، تعيش على وقع الحرب والحصار والقصف، قبل أن تتحول خلال ساعات إلى مسرح لهجوم غير مسبوق استخدمت فيه أسلحة كيميائية.

بعد سنوات طويلة، لا تزال صور الأطفال والضحايا الذين عُثر عليهم داخل المنازل والملاجئ حاضرة في الذاكرة السورية، فيما بقيت المجزرة واحدة من أبرز القضايا التي دفعت المجتمع الدولي إلى إعادة فتح ملف السلاح الكيميائي في سوريا.

وبعد 13 عاماً، تعود الذكرى وسط سؤال أكبر من مجرد استعادة تفاصيل الهجوم: ماذا حدث في الغوطة، ماذا أثبتت التحقيقات الدولية، ولماذا بقيت المسؤولية والمحاسبة موضع جدل سياسي وقانوني حتى اليوم؟

ليلة الموت الصامت

لم يكن الهجوم يشبه القصف التقليدي الذي اعتاد عليه السوريون خلال سنوات الحرب.

فالضحايا لم يحملوا بالضرورة إصابات ظاهرة، ولم تكن آثار الانفجار وحدها هي التي تفسر ما حدث. ظهرت على المصابين أعراض تتوافق مع التعرض لغاز سام، بينها فقدان الوعي، وضيق التنفس، واضطراب الرؤية، والتقيؤ والتشنجات.

وبحسب التحقيق الذي أجرته بعثة الأمم المتحدة، جُمعت عينات بيولوجية وبيئية من مواقع الهجمات، وأرسلت إلى مختبرات عينتها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

وأظهرت النتائج أن 85 في المئة من عينات الدم التي جرى تحليلها كانت إيجابية للتعرض للسارين، فيما أكدت غالبية العينات البيئية وجود المادة نفسها. كما عثرت البعثة على بقايا صواريخ أرض-أرض قادرة على حمل مواد كيميائية، وخلصت إلى وجود أدلة واضحة ومقنعة على استخدام صواريخ محملة بالسارين في عين ترما والمعضمية وزملكا.

وبذلك، لم تعد القضية مجرد روايات متضاربة أو شهادات من مناطق الصراع، بل أصبحت أمام المجتمع الدولي مسألة مدعومة بأدلة طبية وبيئية وفنية.

أرقام الموت.. بين التقديرات المختلفة

منذ الساعات الأولى للهجوم، اختلفت تقديرات أعداد الضحايا، وهو أمر ارتبط بصعوبة توثيق القتلى في ظل ظروف الحرب والحصار.

وقد أعلنت الولايات المتحدة في ذلك الوقت أن تقديراتها تشير إلى مقتل نحو 1,429 شخصاً، بينهم 426 طفلاً. كما تحدثت تقارير أخرى عن أعداد مختلفة، فيما لم تقدم بعثة الأمم المتحدة رقماً نهائياً للضحايا بقدر ما ركزت مهمتها الأساسية على تحديد ما إذا كانت أسلحة كيميائية قد استخدمت وكيف.

لكن الرقم، على اختلاف التقديرات، لا يغير جوهر المأساة: كان غالبية المتضررين من المدنيين، وبينهم عدد كبير من الأطفال.

وفي شهادته أمام الأمم المتحدة، أكد الأمين العام آنذاك بان كي مون أن التحقيق خلص إلى استخدام الأسلحة الكيميائية على نطاق واسع نسبياً، وأن الضحايا كانوا، بصورة خاصة، من المدنيين.

كيف وصلت بعثة الأمم المتحدة إلى الغوطة؟

المفارقة أن فريق الأمم المتحدة كان موجوداً أصلاً في سوريا للتحقيق في اتهامات سابقة باستخدام الأسلحة الكيميائية عندما وقع هجوم الغوطة.

وصل الفريق إلى دمشق في 18 آب/أغسطس 2013، وكان يضم خبراء من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ومنظمة الصحة العالمية، قبل أن تفرض هجمات 21 آب إدخال الغوطة إلى نطاق التحقيق. وغادر الفريق سوريا في 31 آب بعد تنفيذ مهمته الميدانية.

ورغم الظروف الأمنية الصعبة، تمكن المحققون من مقابلة ناجين وعاملين طبيين ومسعفين، وجمع عينات من التربة والبيئة والمواد البيولوجية، إضافة إلى فحص بقايا الذخائر.

وقال بان كي مون لاحقاً إن فريق التحقيق واجه ظروفاً أمنية خطرة، بينها تعرضه لإطلاق نار، لكنه تمكن من تنفيذ المهمة وفق معايير علمية دقيقة.

ماذا قالت الأمم المتحدة؟

كان التقرير الأممي الصادر في أيلول/سبتمبر 2013 نقطة تحول رئيسية في ملف الهجمات الكيميائية في سوريا.

لم تكتف البعثة بالإشارة إلى وجود أعراض تسمم، بل ربطت بين الأدلة الطبية والبيئية وبقايا الذخائر.

وخلص التقرير إلى وجود «أدلة واضحة ومقنعة» على استخدام صواريخ أرض-أرض تحمل غاز السارين في مناطق من الغوطة، مؤكداً أن السلاح الكيميائي استُخدم ضد مدنيين، بمن فيهم أطفال، وعلى نطاق واسع نسبياً.

وأكدت الأمم المتحدة أن نتائج العينات الطبية والبيئية تعززت بشهادات الناجين والعاملين في المجال الطبي، ما جعل الاستنتاج المتعلق باستخدام السارين قائماً على أكثر من نوع من الأدلة.

لكن التحقيق الأممي الأول لم يكن مخولاً بتحديد الجهة المسؤولة عن تنفيذ الهجوم.

وهنا بدأت واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في الملف السوري: إثبات استخدام السلاح شيء، وتحديد الجهة التي أمرت باستخدامه ونفذته شيء آخر.

من إثبات الاستخدام إلى تحديد المسؤولية

مع مرور السنوات، تطورت آليات التحقيق الدولية في الهجمات الكيميائية السورية.

فمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية أوضحت أن مهمة بعثتها لتقصي الحقائق تتركز على تحديد ما إذا كانت مواد كيميائية سامة قد استخدمت كسلاح، بينما تولت لاحقاً آليات أخرى مهمة تحديد الجهات المسؤولة عن بعض الهجمات.

وتؤكد المنظمة أن فريق التحقيق وتحديد المسؤولية IIT أُنشئ عام 2018 لتحديد مرتكبي حالات استخدام الأسلحة الكيميائية التي ثبت وقوعها، وهو يعمل وفق منهج يقوم على تحليل الأدلة المادية والشهادات والبيانات الجنائية والبيئية وصور الأقمار الصناعية وغيرها.

لكن ملف الغوطة تحديداً ظل مختلفاً عن عدد من الهجمات اللاحقة، إذ لم يصدر عن فريق التحقيق وتحديد المسؤولية التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية تقرير مماثل يحدد مرتكبي هجوم 21 آب 2013.

وهنا يجب التمييز بين ما ثبت في التحقيقات الدولية وبين المواقف السياسية للدول.

فالولايات المتحدة أعلنت في 2013 أن لديها أدلة على مسؤولية حكومة بشار الأسد عن الهجوم، وقدمت تقديراً للضحايا بلغ 1,429 شخصاً.

في المقابل، رفضت الحكومة السورية آنذاك الاتهامات ونفت مسؤوليتها عن الهجوم.

لماذا بقيت المسؤولية موضع جدل؟

تعود جذور الجدل إلى طبيعة التحقيق نفسه والظروف التي أحاطت به.

فبعثة الأمم المتحدة كانت مكلفة بالتحقق من استخدام الأسلحة الكيميائية، وليس بإجراء محاكمة أو إصدار حكم قضائي بشأن المسؤولية.

كما أن الفريق وصل إلى بعض المواقع بعد أيام من الهجوم، في وقت كانت فيه مناطق الغوطة تشهد قصفاً ومعارك، ما جعل الوصول إلى الأدلة وحمايتها والحفاظ على سلسلة حيازتها تحدياً كبيراً.

ومع ذلك، فإن الأدلة التي جمعتها البعثة كانت كافية لإثبات استخدام السارين.

وبحسب الأمم المتحدة، فقد أظهرت العينات البيولوجية والبيئية وجود المادة، بينما قدمت بقايا الصواريخ والأدلة الطبية والشهادات دعماً مستقلاً للنتيجة.

لحظة كادت تشعل حرباً إقليمية

لم تتوقف تداعيات مجزرة الغوطة عند حدود سوريا.

فبعد الهجوم، دخلت الولايات المتحدة وسوريا والمنطقة بأكملها في واحدة من أخطر لحظات الحرب.

كانت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما قد أعلنت سابقاً أن استخدام السلاح الكيميائي يمثل «خطاً أحمر»، الأمر الذي جعل هجوم الغوطة اختباراً مباشراً لمصداقية واشنطن.

ومع تصاعد الحديث عن ضربة عسكرية أميركية، تحركت موسكو وواشنطن باتجاه اتفاق أدى إلى إدخال سوريا في مسار دولي للتخلي عن برنامجها الكيميائي.

وفي أيلول 2013، وافقت سوريا على الانضمام إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وبدأت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والأمم المتحدة العمل على إعلان وتدمير البرنامج الكيميائي السوري.

وفي تشرين الأول من العام نفسه، أعلنت المنظمة أن سوريا قدمت إعلانها الأولي الرسمي عن برنامجها الكيميائي.

وبذلك، تحولت مجزرة الغوطة من جريمة وقعت في إحدى ضواحي دمشق إلى نقطة مفصلية في السياسة الدولية تجاه الحرب السورية.

هل انتهى ملف السلاح الكيميائي؟

كان من المفترض أن يؤدي الاتفاق الدولي إلى إغلاق ملف الأسلحة الكيميائية السورية، لكن السنوات اللاحقة أثبتت أن القضية أكثر تعقيداً.

واصلت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية التحقيق في حوادث جديدة، وأكدت بعثتها لتقصي الحقائق وقوع أو احتمال وقوع استخدام للأسلحة الكيميائية في عدد من الحالات.

وبحسب المنظمة، حققت بعثة تقصي الحقائق في 74 واقعة، وخلصت إلى استخدام الأسلحة الكيميائية أو احتمال استخدامها في 20 حالة، بينها ثلاث حالات استخدم فيها السارين.

كما استمرت المنظمة في فحص الإعلان السوري عن البرنامج الكيميائي، وسجلت وجود فجوات وتناقضات ومسائل لم تُحسم بصورة كاملة في المعلومات المقدمة إليها.

وفي تطور حديث، أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في أيار/مايو 2026 أن فريقاً تابعاً لها عثر خلال مهمة في سوريا على أسلحة كيميائية لم تكن معلنة سابقاً، إضافة إلى صواريخ من النوع نفسه الذي استخدم في هجوم الغوطة عام 2013، فيما قالت المنظمة إن التحليل الفني الكامل للمواد والمعدات المكتشفة ما زال مستمراً.

وهذا التطور يعيد ملف الأسلحة الكيميائية السورية إلى الواجهة، حتى بعد مرور 13 عاماً على الغوطة.

الذاكرة السورية.. ما الذي بقي من المجزرة؟

بعيداً عن البيانات الدولية والمواقف السياسية، بقيت الغوطة في الذاكرة السورية قبل كل شيء كقصة عائلات فقدت أبناءها في ساعات.

أطفال لم يعرفوا ما الذي يحدث، وأمهات وآباء بحثوا عن أبنائهم بين المستشفيات والملاجئ، ومسعفون وجدوا أنفسهم أمام أعداد كبيرة من المصابين بأعراض لم تكن مألوفة في ا

- Advertisement -

- Advertisement -