مع أولى أمطار الخريف، عادت شوارع مدينة حلب إلى مواجهة مشكلة قديمة تتكرر مع كل موسم مطري: مياه تتجمع في الطرق، حركة سير تتباطأ، وسائل نقل تضطر إلى تغيير مساراتها، ومشاة يجدون أنفسهم أمام شوارع يصعب عبورها.
وشهدت أحياء عدة في حلب، الخميس 1 تشرين الأول، تجمعات واسعة لمياه الأمطار، تركز جزء كبير منها في المناطق الشرقية من المدينة، ولا سيما سيف الدولة وكرم الجزماتي والفيض وصلاح الدين، إضافة إلى الطرق الممتدة من محيط حلويات الأفراح باتجاه جسر الحج.
ولم تكن المشكلة بالنسبة للسكان مجرد مشهد مؤقت تسببه الأمطار، بل تحولت المياه المتجمعة إلى عائق يومي أمام الوصول إلى أماكن العمل والمدارس والأسواق، في مدينة ما تزال أجزاء واسعة من بنيتها التحتية تعاني آثار سنوات طويلة من التضرر والإهمال.
دقائق من المطر.. ساعات من المعاناة
يقول سكان في الأحياء المتضررة إن المشكلة تظهر سريعاً مع الهطولات، خصوصاً في النقاط المنخفضة والطرق التي تعاني أصلاً من الحفر والتشققات.
وفي بعض المقاطع، وصلت المياه إلى أجزاء من السيارات، بينما اضطر سائقون إلى تخفيف سرعتهم أو البحث عن طرق بديلة لتجنب المناطق الغارقة، ما أدى إلى زيادة الازدحام في طرق أخرى.
وتقول حسناء مصري، وهي من سكان حي الميريدان وتعمل مدرسة في منطقة كرم حومد، إن تجمع المياه تسبب بإبطاء حركة السير، ولا سيما على الطريق الممتد من محيط حلويات الأفراح باتجاه جسر الحج، مشيرة إلى أن مرور المركبات يصبح أكثر صعوبة خلال فترات الهطول.
ولم يقتصر التأثير على السيارات الخاصة، إذ انعكست تجمعات المياه والازدحامات على وسائل النقل العامة، واضطرت بعض السرافيس والباصات إلى تغيير مساراتها لتجنب الطرق المتضررة.
وشهد خط الدائري الجنوبي، على سبيل المثال، تغييراً في مسار بعض المركبات باتجاه الكلاسة وبستان القصر، نتيجة الازدحام وتجمع المياه على الطريق المعتاد.
الأحياء الشرقية في مواجهة المشكلة
تبدو المشكلة أكثر وضوحاً في عدد من أحياء حلب الشرقية، حيث تتداخل عدة عوامل في زيادة صعوبة تصريف مياه الأمطار، بينها تضرر الطرق، ووجود الحفر والتشققات، وحاجة بعض المصافي المطرية إلى الصيانة أو تعديل مستوياتها.
وفي سيف الدولة، امتدت تجمعات المياه على أجزاء من الطريق، بينما ظهرت برك مائية في مناطق أخرى، ما جعل المشاة أمام خيارات محدودة للعبور، ورفع من صعوبة وصول السكان إلى أعمالهم ومصالحهم اليومية.
وبالنسبة للأهالي، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بيوم ممطر، وإنما بما يمكن أن يحدث خلال فصل الشتاء إذا تكررت الهطولات أو ازدادت غزارتها.
من المسؤول عن المياه المتجمعة؟
مع تكرار المشهد، تعود الأسئلة حول الجهة المسؤولة عن تصريف مياه الأمطار، ومدى جاهزية الشبكات والمصافي لاستقبال الهطولات.
وأوضح مجلس مدينة حلب أن مسؤولية معالجة موضوع الصرف الصحي والمطريات تقع على عاتق الشركة العامة لمياه الشرب في حلب، مشيراً إلى وجود تنسيق بين الجهات المعنية عند تنفيذ أعمال تزفيت الطرق.
وبحسب المجلس، فإن إضافة طبقات جديدة من الزفت يمكن أن ترفع مستوى الطريق، ما يستدعي تعديل بعض المصافي المطرية لتتناسب مع المستوى الجديد، في حين تختلف سرعة تنفيذ هذه الأعمال بحسب ضغط العمل لدى الشركة المختصة.
لكن بالنسبة للسكان، فإن تحديد المسؤوليات لا يحل المشكلة ما لم ينعكس على الأرض بإجراءات واضحة، خصوصاً أن تجمع المياه في المواقع ذاتها يتكرر من موسم إلى آخر.
خطط للطوارئ.. والسكان ينتظرون نتائجها
من جهتها، قالت الشركة العامة لمياه حلب إنها تعمل على إعداد خطة طوارئ استعداداً للموسم المطري والشتاء، كما أشارت في وقت سابق إلى تنفيذ أعمال دورية لتنظيف وصيانة المصافي المطرية وفتحات التصريف، إلى جانب تشكيل فرق طوارئ في القطاعات المختلفة للتعامل مع البلاغات خلال فترات الهطول.
كما تحدثت الشركة عن إنشاء مصافٍ مطرية جديدة في عدد من المواقع، وعن مشروع لاستبدال المصافي الممتدة من جسر الحج باتجاه الشيخ سعيد، يتضمن إنشاء عشر مصافٍ جديدة.
غير أن الأهالي لا يقيسون جاهزية المدينة بعدد الخطط أو الوعود، وإنما بقدرة الشوارع على تصريف المياه عندما تهطل الأمطار.
موسم الشتاء يقترب.. هل تتكرر المشاهد؟
ما حدث في حلب مع أولى أمطار الخريف يعيد فتح ملف البنية التحتية قبل دخول فصل الشتاء بكل ثقله. فكل تجمع للمياه لا يعني فقط صعوبة مؤقتة في حركة المرور، بل يمكن أن يتحول إلى مشكلة أكبر عندما يتزامن مع طرق متهالكة، أو حفر غير ظاهرة، أو ازدحام مروري، أو ضعف في وسائل النقل.
ويطالب سكان بمعالجة النقاط التي تتكرر فيها تجمعات المياه، وإجراء صيانة فعلية للمصافي وشبكات التصريف، وتأهيل الطرق الأكثر تضرراً قبل وصول الهطولات الغزيرة.
وفي مدينة أنهكتها سنوات الحرب وتحتاج إلى إعادة تأهيل واسعة للخدمات، تبدو مياه الأمطار اختباراً سنوياً لقدرة المؤسسات على الانتقال من معالجة الأضرار بعد وقوعها إلى الوقاية منها مسبقاً.
فبالنسبة لسكان حلب، لا تكمن المشكلة في المطر نفسه، وإنما في أن يتحول المطر إلى أزمة جديدة كلما هطلت السماء.