درعا/ رجاء مختار
في ريف درعا الشرقي، وتحديداً في بلدة الغارية الغربية، وقف أبو طلال المصري، المزارع الستيني، يتفحّص فاتورة الكهرباء الجديدة التي وصلت مع بداية تشرين الثاني 2025، وهو يردد بمرارة أن ما يدفعه لقاء كهرباء لا تأتي إلا لساعات قليلة أصبح يفوق ما يحقّقه من محصول موسمي متواضع. لم يكن الرجل يعاني وحده، فالمحافظة بأكملها شهدت موجة امتعاض واسعة امتدت من درعا البلد إلى طفس والصنمين، بعد أن فوجئ السكان بارتفاع كبير في أسعار الكهرباء، في وقت لم يطرأ أي تحسّن ملموس على ساعات التغذية ولا على جودة الخدمة.
وعلى منصات التواصل المحلية باتت شكاوى الأهالي مادة يومية، حيث كتب أحدهم أن الفاتورة الجديدة تلتهم نصف راتبه الشهري، بينما علق آخر بأن التقنين الطويل يجعل من دفع هذه المبالغ “عبئاً دون مقابل”. ويكاد يجمع معظم سكان المحافظة على أن القرار الأخير جاء في توقيت صعب، وسط تدهور القدرة الشرائية، وارتفاع أسعار المحروقات والمواد الأساسية، وتفاقم الأعباء المعيشية على الأسر التي باتت تعتمد في جزء كبير من يومها على حلول بديلة كمولدات الأمبير والطاقة الشمسية مرتفعة التكلفة.
وفي درعا البلد تحدّث معلم في مدرسة ابتدائية عن فواتير وصلت إلى أكثر من 120 ألف ليرة، بينما راتبه لا يتجاوز مليون، مؤكداً أنه بات عاجزاً عن التوفيق بين احتياجات أسرته ودفع الفاتورة. وفي إنخل قالت سيدة أربعينية إنها ألغت استخدام الغسالة والسخان الكهربائي تماماً، خوفاً من تضاعف التكلفة، بينما في بلدة داعل أوضحت أم عمار أن الكهرباء تأتي ساعة أو ساعتين يومياً، وغالباً بتيار ضعيف لا يكفي لتشغيل البراد أو شحن البطارية المنزلية.
وحتى أصحاب الورش الصغيرة في الصنمين عبّروا عن مخاوفهم من الخروج من السوق نهائياً، إذ قال الحداد قاسم المحاميد إن كلفة الكهرباء أصبحت أعلى من كلفة المواد الأولية، وإن رفع التعرفة سيقود حتماً إلى تقليص الإنتاج وربما إغلاق الورش نهائياً، ما يعني زيادة البطالة وتراجع النشاط الاقتصادي في المنطقة.
ورغم هذا الاستياء الشعبي، تحدث مسؤولون في الحكومة الانتقالية عن أن رفع التعرفة جزء من خطة “إصلاح القطاع الكهربائي”، وأن الإيرادات المتوقعة ستُخصّص لتحسين محطات التوليد المتهالكة، وتأهيل شبكات النقل التي تعرضت لأضرار كبيرة خلال السنوات الماضية، إضافة إلى تمويل مشاريع العدادات الذكية التي ستُعمّم تدريجياً.
وقال مسؤول إعلامي في وزارة الطاقة إن المؤسسات الحكومية التي تستحوذ على نسبة كبيرة من الاستهلاك ستدفع الآن وفق التعرفة الجديدة من ميزانيتها الخاصة، بهدف توجيه الدعم نحو الأسر، بينما أكد وزير الطاقة عبر منشور على منصة “إكس” أن هذه الخطوة أساسية في مسار إصلاح القطاع الكهربائي وزيادة كفاءته، وأن مراحل جديدة ستتبع تشمل مشاريع لرفع القدرة الإنتاجية وتقليل الهدر الفني والتجاري.
أما وزير الاقتصاد فأكد أن تعديل التعرفة “تصحيح لسياسات قديمة”، وأن الحكومة تعمل على خطة لرفع رواتب القطاع العام تدريجياً، إلى جانب تشجيع القطاع الخاص على تعديل الأجور، بهدف مساعدة الأسر على التكيّف مع الأسعار الجديدة.
وتشير البيانات المعلنة إلى أن التعرفة الجديدة باتت تبدأ من 600 ليرة للكيلوواط ضمن الشريحة الأولى حتى 300 ك.و.س، وترتفع إلى 1400 ليرة للشريحة الثانية، بينما تسدد المؤسسات الحكومية 1700 ليرة، وتدفع المعامل والمنشآت الصناعية 1800 ليرة للكيلوواط.
ورغم بقاء دعم نسبي للشريحة الأولى، إلا أن المقارنة مع الأسعار القديمة تظهر أن الكهرباء تضاعفت أكثر من ستين مرة قياساً بسنوات ما قبل الحرب، فيما بقيت رواتب الموظفين شبه ثابتة، ما جعل الفاتورة أكبر من قدرة الأسر على الاحتمال.
ومع استمرار التقنين الطويل في معظم مناطق درعا، بدا لكثيرين أن الزيادة لا تستند إلى تحسين الخدمة بل إلى سد العجز المالي، إذ إن الإنتاج الفعلي للكهرباء في البلاد لا يتجاوز 2200 ميغاواط من أصل حاجة تقدّر بنحو 7000 ميغاواط، بسبب نقص الوقود والغاز وعدم قدرة المحطات على العمل بكامل طاقتها.
وتحتاج شبكات التوزيع في درعا إلى إعادة تأهيل شاملة، إذ تعاني من أعطال متكررة وانخفاض في الجهد الكهربائي، ما يجعل الاستفادة الفعلية من ساعات التشغيل أقل بكثير مما هو معلن.
ويرى الخبراء أن رفع التعرفة سيؤدي تلقائياً إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، لأن الكهرباء عنصر أساسي في حلقات الإنتاج كافة، بدءاً من ضخ مياه الري للمزارعين، مروراً بالورش الصناعية الصغيرة، وصولاً إلى المحال التجارية والخدمات العامة.
ويقول الاقتصادي رامي القداح إن تأثير الزيادة سيكون ملموساً خلال أشهر قليلة، وسيظهر في أسعار الخضار والمنتجات الزراعية في درعا التي تعتمد أساساً على المضخات الكهربائية، فضلاً عن ارتفاع تكاليف تشغيل الأفران ومحال الصناعات الغذائية.
ويضيف أن مخاوف الناس مبررة لأن الزيادة لم تترافق مع تحسّن في الخدمة، ولا تزال ساعات التغذية محدودة جداً، كما لا توجد شفافية كافية في بيانات الإنتاج والتوزيع وحجم الدعم الحقيقي.
ويعتبر الباحث خالد المسالمة أن المشكلة الأساسية ليست في رفع السعر نفسه، بل في غياب الربط بين التعرفة الجديدة وجودة الخدمة، فـ“عدالة الفاتورة” لا يمكن فصلها عن “عدالة التغذية”.
ويؤكد أن الإصلاح الحقيقي يتطلب خطة واضحة تشمل تحسين الخدمة تدريجياً، وخفض الفاقد الفني والتجاري، وتسهيل الاستثمار في الطاقة المتجددة للأفراد والمنشآت. ويرى أن تشجيع تركيب منظومات الطاقة الشمسية قد يكون حلاً جزئياً، لكنه غير متاح للكثير من الأسر ذات الدخل المحدود بسبب كلفته العالية، ما يجعلها محاصرة بين فاتورة حكومية مرتفعة، ومولدات خاصة “أمبيرات” بأسعار لا يستطيع معظم السكان تحملها.
وبين هذه التحديات المتشابكة، يقف أهالي درعا أمام واقع معقد لا يمنحهم خيارات كثيرة. فالكهرباء التي تُعدّ خدمة أساسية باتت عبئاً يومياً، والفاتورة التي يفترض أن تُسدد لقاء خدمة مستمرة أصبحت عبئاً إضافياً في ظل انقطاع طويل لا يسمح بالاستفادة منها.
ومع ذلك يستمر الحديث الرسمي عن إصلاحات ووعود مستقبلية، بينما ينتظر السكان أي تحسين يخفف من ثقل العتمة التي تسيطر على لياليهم، ويمنحهم شعوراً بأنهم يدفعون مقابل خدمة حقيقية لا مجرد فاتورة تتزايد شهراً بعد آخر.