لكل السوريين

الجفاف يعيد رسم الخريطة الزراعية في الساحل السوري ويهدد المحاصيل الاستراتيجية

اللاذقية/ سلاف العلي

تشهد محافظتا طرطوس واللاذقية وأريافهما تراجعاً حاداً في النشاط الزراعي نتيجة قلة الأمطار المسجلة منذ بداية الموسم الزراعي الحالي، إلى جانب انعدام مصادر الري في مساحات واسعة من الأراضي، ما تسبب بخسائر كبيرة للمزارعين وأعاد طرح تساؤلات جدية حول مستقبل الزراعة في الساحل السوري.

ورغم هذه الظروف القاسية، يجد كثير من المزارعين أنفسهم مضطرين إلى زراعة أراضيهم وعدم تركها مهجورة، ولو بخيارات محدودة ومحفوفة بالمخاطر.

ومع تفاقم أزمة الجفاف، اتجه عدد متزايد من الفلاحين إلى البحث عن مواسم بديلة أقل استهلاكا للمياه، إلا أن هذا التحول لا يعد قراراً سهلاً، نظرا لعدة عوامل، أبرزها طبيعة التربة في الأراضي الزراعية المملوكة للسكان، والتي لا تتلاءم جميعها مع محاصيل بديلة، إضافة إلى نقص الخبرة والدعم الفني، وغياب أي برامج إرشادية تساعد على هذا الانتقال.

وأدى سوء موسم القمح والشعير خلال العام الماضي، وما رافقه من خسائر كبيرة، إلى ارتفاع ملحوظ في أسعارهما، إلا أن قلة الكميات المطروحة منذ بداية موسم الزراعة الحالي ساهمت في مضاعفة الأسعار بشكل غير مسبوق، ما انعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج، وأثار مخاوف من ارتفاع أسعار العديد من المواد الغذائية مع نهاية الموسم.

وتعد هذه المرة الأولى منذ عقود التي يتجاوز فيها سعر الشعير سعر القمح بنحو الضعف تقريباً، في مؤشر يعكس حجم الخلل في ميزان الإنتاج الزراعي.

ورغم ارتفاع الأسعار، فإن الإقبال على زراعة القمح والشعير هذا العام لا يزال دون معدلاته الطبيعية، بسبب المخاوف المتزايدة لدى المزارعين من قلة الأمطار والانخفاض الكبير في مستويات التخزين المائي.

وتشير التقديرات الميدانية إلى أن احتمالات الخسارة باتت مرتفعة حتى بالنسبة للمزارعين الذين يمتلكون آباراً ارتوازية، في ظل الارتفاع الكبير في تكاليف الري، سواء من حيث الوقود أو الصيانة أو أجور التشغيل.

وفي هذا السياق، لجأ عدد كبير من المزارعين في الريف الساحلي إلى زراعة الكمون بدلاً من القمح والشعير، مستفيدين من نجاح هذه الزراعة في بعض القرى الساحلية.

ويأتي هذا التحول بعد تجارب سابقة أثبتت، بحسب المزارعين، أن زراعة القمح تنتهي غالباً بتسويق ضعيف وأسعار لا توفر هامش ربح يكفي لتغطية نفقات المعيشة على مدار عام كامل.

ومع استمرار قلة الأمطار وانعدام مصادر الري، وغياب أي مؤشرات على إطلاق مشاريع تنموية لتطوير القطاع الزراعي، يحذر مزارعون من أن استمرار هذا الواقع قد يدفع أعدادا كبيرة إلى هجر العمل الزراعي نهائياً، تفادياً لمزيد من الخسائر وانعدام الجدوى الاقتصادية.

وتعيد هذه المخاوف إلى الأذهان موجات الجفاف السابقة التي شهدتها مناطق الساحل، والتي دفعت حينها الكثير من السكان إلى ترك الزراعة والتوجه للعمل في قطاعات أخرى، مثل المصانع وورش البناء.

ويؤكد مختصون أن مناطق الساحل تحتاج إلى حلول جذرية ومشاريع حقيقية ومستدامة لري المزروعات، تبدأ بالبحث الجدي عن مصادر للمياه وتطوير البنية التحتية المائية، لضمان استمرار النشاط الزراعي.

وفي إطار البحث عن بدائل أقل تأثراً بالجفاف، تبرز زراعة العدس كأحد الخيارات المطروحة ضمن الخطة الزراعية في عدد من مناطق الساحل.

ويعتبر العدس محصولاً أنسب للمزارعين في المواسم الجافة، نظراً لحاجته إلى عدد أقل من الريات مقارنة بالقمح، وقدرته الأعلى على تحمل الظروف المناخية القاسية، ما يدفع العديد من المزارعين إلى اعتماده تفادياً للخسائر المحتملة أو ضعف الأرباح في حال لم يكن موسم القمح والشعير خاسراً بالكامل.

وبحسب تقارير صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو)، فقد انخفض إنتاج القمح في سوريا خلال بعض السنوات إلى ما يعادل نحو 7 في المئة فقط من حجم الاحتياج المحلي.

ومع انهيار الإنتاج المحلي، اضطرت مناطق الساحل إلى الاستيراد لتأمين حاجتها من القمح، في وقت ساهمت فيه سنوات الحرب بنزوح آلاف الفلاحين من مناطق الإنتاج الرئيسية، مثل الحسكة ودير الزور، ما أدى إلى تراجع اليد العاملة الزراعية بنسبة تتجاوز 60 في المئة، وفقاً لتقديرات غير رسمية.

وفي موازاة ذلك، شهدت أسعار الخبز ارتفاعاً حاداً، إذ ارتفع سعر ربطة الخبز من 15 ليرة سورية عام 2011 إلى نحو 4000 ليرة حالياً.

وفي سنوات سابقة، لجأت حكومة النظام السابق إلى تنظيم بيع الخبز عبر ما عرف بـ”البطاقة الذكية”، إضافة إلى فرض تقنين قسري على الاستهلاك، بحيث حددت حصة الفرد بأربعة أرغفة يومياً، في محاولة لضبط الاستهلاك وتقليل الهدر وخفض كلف الإنفاق على ملف الخبز، الذي يعد من أكثر الملفات حساسية في حياة المواطنين.

وأشارت منظمة “فاو” إلى أن نحو 40 في المئة فقط من الأراضي الزراعية تمت زراعتها خلال الموسم الماضي، في حين أدى الجفاف إلى إتلاف مساحات واسعة من الأراضي، ولا سيما في المحافظات الرئيسية المنتجة للغذاء، مثل الحسكة وحلب وحمص.

ورغم هذه الظروف الصعبة، شجعت الحكومة المزارعين على بيع ما تبقى من محاصيلهم بسعر 450 دولاراً للطن الواحد، وهو أعلى بنحو 200 دولار من سعر السوق، في محاولة لدعم الإنتاج المحلي وتحفيزه.

غير أن المخاوف تتزايد من أن استمرار الجفاف هذا الموسم، في ظل غياب بدائل حقيقية لتعويض نقص الأمطار، سيدفع أعداداً كبيرة من المزارعين إلى التخلي عن زراعة القمح والشعير، ما قد يحول سوريا خلال العام المقبل إلى دولة مستوردة للقمح بشكل شبه كامل، وهو ما سيكلف الخزينة العامة مبالغ طائلة، ويزيد من الضغوط الاقتصادية والمعيشية على المواطنين.

- Advertisement -

- Advertisement -