حمص/ بسام الحمد
تشهد مدينتا تدمر والسخنة في الآونة الأخيرة حالة من الفلتان الأمني التي أثرت بشكل مباشر على حياة السكان اليومية، وأثارت مخاوف واسعة بين الأهالي الذين اعتادوا على هدوء نسبي في السنوات السابقة، هذا الوضع انعكس على الحركة التجارية، والحياة الاجتماعية، وحتى على القدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية، وأصبح مصدر قلق مستمر للسلطات المحلية والمواطنين على حد سواء.
أم خالد، من سكان حي الزيتون في تدمر، تروي تجربة مريرة حدثت قبل أيام قليلة: “كنا في المنزل عندما سمعنا صوت إطلاق نار قريب، خرجنا لنرى ما يحدث، ورأينا مجموعة من الشباب يتشاجرون مستخدمين الأسلحة الخفيفة، لم يكن هناك تدخل فوري من أي جهة، وشعرت بالخوف على أولادي”، تضيف أن هذا النوع من الأحداث أصبح شبه يومي، وأن الأهالي صاروا يتجنبون التجوال ليلاً، ويقللون من نشاطهم خارج المنازل، خشية التعرض لأي حادث.
في السوق القديم لتدمر، يروي أبو سامر، تاجر تحف أثرية، كيف أثر الفلتان الأمني على عمله: “قبل أيام حاول بعض المراهقين الدخول في شجار داخل السوق، وكنا قريبين من أن تتعرض بعض التحف للضرر، اضطررت لإغلاق محلي لساعات خوفاً من أي تصعيد”، يشير إلى أن الزبائن صاروا أقل زيارة للسوق، وأن النشاط التجاري تراجع بشكل ملحوظ بسبب شعور الناس بعدم الأمان.
أما في السخنة، فقد شهدت المنطقة الغربية من المدينة حوادث مماثلة على الطرقات. أبو نزار، سائق سيارة أجرة، يقول إن الطريق بين الضواحي صار محفوفاً بالمخاطر بسبب الاشتباكات الطائفية والمشاجرات بين مجموعات مختلفة. يروي حادثة كادت أن تتحول إلى مأساة عندما اعترضه شابان يحملان أسلحة بيضاء في منتصف الطريق، وتمكن من الفرار بسلام، لكنه يقول إن مثل هذه المواقف أصبحت جزءاً من الواقع اليومي للسائقين.
الطلاب أيضاً لم يسلموا من تأثير الفلتان الأمني. رنا، طالبة جامعية من تدمر، تقول إن البعض أصبح يخاف الذهاب إلى الجامعة مساءً بعد تعرض زميل لها لمضايقات على الطريق من قبل شباب مسلحين، تضيف أن الأمر أثر على حضور الطلاب، وزاد من شعور القلق والاضطراب النفسي بينهم، خصوصاً في المناطق التي تشهد توترات بشكل متكرر.
الأهالي في القرى المحيطة بتدمر والسخنة يشيرون إلى أن الفلتان الأمني ليس فقط نتيجة لشجارات عابرة، بل يرتبط أحياناً إلى بتوزع السلطة والفوضى في بعض الأحياء. أم حسن، من إحدى القرى الواقعة بين المدينتين، تقول: “نشهد حوادث سرقة ونهب صغيرة بشكل شبه يومي، ولا يوجد من يراقب أو يمنع هذا السلوك، الشباب أصبحوا يتصرفون بحرية دون خوف، ونحن نعيش في قلق دائم”.
من جهة أخرى، الشرطة المحلية وقوات الأمن تحاول التعامل مع الموقف، لكنهم يواجهون صعوبة في السيطرة على كل المناطق بسبب اتساع المساحة وعدد الحوادث المتنوعة، ضابط شرطة من السخنة، طلب عدم ذكر اسمه، يقول إن “الوضع يتطلب تحركاً أمنياً سريعاً، لكن الموارد محدودة، والضغط كبير. هناك حالات تتطلب تدخلاً عاجلاً وأخرى يصعب الوصول إليها في الوقت المناسب”.
التأثير الاقتصادي للفلتان الأمني واضح أيضاً التجار وسائقي الشاحنات يقولون إن الخوف من الاعتداءات أو السرقة أثر على حركة البضائع بين المدينتين. أبو ياسر، سائق شاحنة نقل منتجات زراعية، يروي أنه اضطر لتغيير مساره أكثر من مرة لتفادي مناطق شهدت اعتداءات حديثة، ما زاد من تكاليف النقل وتأخير وصول البضائع.
ومع استمرار هذه الأحداث، يعيش سكان تدمر والسخنة حالة من التوتر الدائم، بين الخوف على حياتهم وممتلكاتهم، ورغبتهم في الحفاظ على حياتهم الطبيعية قدر الإمكان. كثير من الأهالي يطالبون بوجود رقابة أمنية فعالة، وزيادة الدوريات، وتعاون مجتمعي للحد من الانفلات، بينما يدرك البعض أن الحل لن يكون سهلاً في ظل التحديات المتشابكة بين التوترات الاجتماعية، والموارد المحدودة، وغياب الحلول طويلة الأمد.
وسط هذا الواقع، يبدو أن الفلتان الأمني أصبح جزءًا من حياة المدينة اليومية، يفرض على السكان إعادة ترتيب حياتهم، وتجنب الأماكن الخطرة، واتخاذ إجراءات احترازية مستمرة. وما يظل مؤكداً أن أي تحسن في الوضع الأمني سيؤثر بشكل مباشر على استقرار المجتمع، ونشاطه الاقتصادي، وصحة سكانه النفسية، مؤكداً أن الأمن هو الشرط الأساسي لأي حياة طبيعية ومستقرة في تدمر والسخنة.