دمشق/ مرجانة إسماعيل
تتكرر ظاهرة إزالة البسطات بشكل دوري في شوارع وأزقة ريف دمشق، وسط جدلٍ متزايدٍ حول آثار هذه الإجراءات على حياة الأسر التي تعتمد عليها في تأمين لقمة العيش. فبينما يرى المسؤولون المحليون أن هذه الحملات تهدف إلى تنظيم الفضاء العام وتخفيف الازدحام، يعتبر كثيرٌ من الباعة وأسرهم أن إزالة البسطات تضرب مصدر رزقهم الوحيد، وتزيد من الضغوط الاقتصادية على العائلات في ظل الظروف المعيشية الصعبة.
في سوقٍ شعبيٍ بمدينة دوما، وقف خالد الجبوري أمام بسطته الصغيرة بعد أن أبلغته الجهات المحلية بضرورة إزالتها خلال ساعات. يقول خالد: “هذه البسطة هي كل حياتي، ومن خلالها أتمكن من إعالة أسرتي المكونة من خمسة أفراد. عندما يأتون لإزالتها، أشعر وكأنهم يقتلعون رزقي من جذوره.” يضيف خالد أنه منذ عدة سنوات يعتمد على بيع الخضار والفواكه الطازجة في هذا المكان، وأنه رغم التحديات اليومية مثل ارتفاع أسعار المواد ونقص الدعم، تمكن من تأمين حياةً كريمةً لأطفاله، حتى جاء قرار الإزالة ليزعزع هذا الاستقرار.
لكن الجهات المعنية ترى أن إزالة البسطات ضرورية لأسباب تنظيمية، خصوصاً في المناطق التي تشهد ازدحاماً مرورياً يومياً. يقول مسؤولٌ في أحد مجالس المدن: “البسطات غير المنظمة تسبب إعاقةً لحركة المشاة والسيارات، وتؤدي أحياناً إلى حوادث سير. نحن لسنا ضد الرزق، لكننا بحاجةٍ إلى تنظيمٍ واضحٍ لضمان السلامة العامة وعدم خلق فوضى في الأسواق”.
ويضيف أن مشكلة تنظيم البسطات لا تقتصر على التكدس في الشوارع الرئيسية، بل تمتد إلى غياب تخطيطٍ واضحٍ للمواقع المخصصة للبيع، وعدم وجود سجلٍ رسميٍ للبائعين، ما يجعل أي تنظيم يبدو في نظر الباعة قسرياً ومفاجئاً.
في قريةٍ صغيرةٍ قرب الزبداني، تواجه أم زياد، أرملةً تكافح لتوفير قوت يومٍ أولادها الثلاثة، نفس المشكلة. تقول: “أنا أعتمد على بيع الخبز والتمر من هذه البسطة، وإذا تم إزالتها سأضطر لإغلاقها ولن أستطيع تأمين حتى الحاجات الأساسية لأولادي. لا أحد يفكر بنا كأسرٍ فقيرة، كل ما يهمهم هو تنظيم الشوارع”. وتضيف أم زياد أن العائلات الفقيرة تعتمد على هذه البسطات لتغطية المصاريف اليومية، وأن أي خطوةٍ مفاجئةٍ لإزالتها تؤدي إلى أزمةٍ مباشرةٍ في المنزل.
بين الباعة والمارة، يظهر بوضوحٍ أن غياب التنظيم والتخطيط المسبق يزيد من الاحتقان، فالبسطات منتشرةً عشوائياً في طرقٍ رئيسيةٍ وأسواقٍ فرعيةٍ، وغياب الرقابة والتسجيل الرسمي يجعل الحملات المفاجئة مؤلمةً جداً للباعة.
يقول أحد الشباب الذي يعمل كوسيطٍ توزيعٍ للسلع: “إذا كان هناك نظامٌ رسميٌ يحدد أماكن البسطات وفق شروطٍ محددة، لكنا نتجنب كل هذه المشاكل. لكن كل شيء يتم بشكلٍ ارتجالي، فمرةً تأتي الحملة لإزالة البسطات في شارعٍ، ومرةً في سوقٍ آخر، بدون أي إشعارٍ مسبقٍ”.
تثير إزالة البسطات أيضاً نقاشاً واسعاً حول تأثيرها على الاقتصاد المحلي، فالباعة الصغار يمثلون شرياناً حيوياً لتجارة المواد الغذائية والبضائع الصغيرة، ويزودون السكان بأسعارٍ منخفضة مقارنةً بالأسواق الكبيرة. يقول أحمد الصالح، مواطنٌ يتسوق يومياً من البسطات: “إذا أغلقت هذه البسطات، سأضطر للذهاب إلى المحلات الكبيرة، وسترتفع الأسعار عليّ، وأحياناً لا أجد بعض المواد التي أحتاجها”.
بالإضافة إلى الجانب الاقتصادي، هناك بعدٌ اجتماعيٌ مهم، فالأسواق الشعبية والبسطات تعتبر مساحاتٍ للتلاقي والتواصل بين الناس، وتساهم في تعزيز الروابط المجتمعية. إزالتها تؤدي إلى فقدان هذه الحيز الاجتماعي، وتخلق شعوراً بالعزلة والضغوط النفسية على الباعة وعائلاتهم.
يشير بعض الخبراء إلى أن الحل الأمثل لهذه الأزمة يكمن في وضع خطةٍ شاملةٍ لتنظيم البسطات، تتضمن تخصيص مناطقٍ محددةٍ للبائعين، تسجيلهم رسمياً، وإصدار تصاريحٍ مع شروطٍ واضحةٍ لضمان حركة المرور وعدم الإضرار بالمشاة. كما يقترحون وجود حملاتٍ توعيةٍ لتوضيح أسباب التنظيم للباعة، وربط التنظيم بحقوقهم الأساسية في العمل والكسب المشروع.
في ظل هذه الأزمة، يبقى السؤال مطروحاً: هل ستنجح الجهات المعنية في إيجاد توازنٍ بين تنظيم الشوارع وتأمين رزق الأسر؟ أم ستظل الحملات المتكررة مجرد إجراءاتٍ قسريةٍ تضغط على الفئات الضعيفة، وتفاقم المعاناة الاقتصادية والاجتماعية في ريف دمشق؟
وتُظهر تجربة البسطات في ريف دمشق أن قضية التنظيم ليست مجرد مسألةٍ شكليةٍ، بل تتعلق بحياة آلاف الأسر التي تعتمد على هذه الوسائل لتأمين لقمة العيش، وأن أي خطوةٍ دون دراسةٍ شاملةٍ قد تؤدي إلى تداعياتٍ إنسانيةٍ واجتماعيةٍ خطيرةٍ.