لكل السوريين

زيارة الشيباني إلى بيروت.. هل تؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات السورية اللبنانية؟

لم تكن الزيارة الرسمية التي أجراها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى العاصمة اللبنانية بيروت مجرد لقاء بروتوكولي بين مسؤولين في بلدين جارين، بل حملت في طياتها مؤشرات على تحول سياسي في طبيعة العلاقة السورية–اللبنانية، بعد عقود اتسمت بالتداخل الأمني والسياسي، ثم سنوات من القطيعة والتوتر عقب اندلاع الأزمة السورية.

وجاءت الزيارة في توقيت إقليمي حساس، وسط تحولات تشهدها المنطقة، ورغبة معلنة لدى دمشق وبيروت في إعادة صياغة العلاقات على أسس جديدة تقوم على احترام السيادة والتعاون المؤسسي، بعيدًا عن النهج الذي حكم العلاقة بين البلدين خلال العقود الماضية.

لقاءات رفيعة ورسائل سياسية

التقى الشيباني خلال زيارته الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، إلى جانب عدد من المسؤولين اللبنانيين، حيث تصدر ملف العلاقات الثنائية، وضبط الحدود، والتعاون الاقتصادي، والقضايا الأمنية، جدول المباحثات.

وأبرز ما حملته اللقاءات كان التأكيد المتبادل على أن العلاقة المستقبلية ستكون بين “دولة ودولة”، بعيدًا عن أي تدخل في الشؤون الداخلية أو دعم أي طرف سياسي على حساب آخر، وهي رسالة اعتبرها مراقبون الأكثر أهمية في الزيارة، نظراً لما تحمله من دلالات تتعلق بطبيعة الدور السوري في لبنان خلال المرحلة المقبلة.

اللجنة العليا المشتركة… أبرز مخرجات الزيارة

أثمرت الزيارة عن توقيع اتفاقية لإنشاء اللجنة العليا اللبنانية السورية المشتركة، لتكون الإطار الرسمي الأعلى للتنسيق بين الحكومتين.

وتهدف اللجنة إلى متابعة التعاون في ملفات السياسة والاقتصاد والتجارة والاستثمار والطاقة والنقل والتعليم والصحة والقضاء والأمن، إضافة إلى متابعة تنفيذ الاتفاقيات الثنائية ووضع خطط عمل مشتركة بين الوزارات المختصة.

ويصف مسؤولون في البلدين هذه اللجنة بأنها بداية لمرحلة مؤسساتية جديدة، بحيث تُدار العلاقات عبر الحكومتين، وليس من خلال قنوات غير رسمية كما كان يحدث في مراحل سابقة.

الحدود والأمن في صدارة الأولويات

شكل الأمن الحدودي أحد أبرز محاور المحادثات، في ظل استمرار تحديات التهريب وعمليات العبور غير النظامية.

وأكد الجانبان أهمية تعزيز التنسيق بين الأجهزة المختصة لضبط الحدود المشتركة، ومنع تهريب السلاح والمخدرات والأشخاص، باعتبار أن أمن البلدين مترابط، وأن استقرار أحدهما ينعكس مباشرة على الآخر.

كما نوقشت آليات تسريع التعاون القضائي والأمني، بما يشمل تبادل المطلوبين وفق الأطر القانونية، وتعزيز التنسيق في مواجهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

الاقتصاد… بوابة إعادة بناء العلاقة

اقتصادياً، ركزت الزيارة على إعادة تنشيط التبادل التجاري، وتشجيع الاستثمار، وتسهيل حركة البضائع عبر المعابر الحدودية، إضافة إلى تطوير التعاون في مجالات النقل والطاقة والبنية التحتية.

ويرى خبراء أن دمشق تنظر إلى لبنان بوصفه شريكاً اقتصادياً مهماً، بينما ترى بيروت أن استقرار العلاقة مع سوريا يفتح المجال أمام تنشيط حركة التجارة البرية وربط الأسواق اللبنانية بالعمق العربي عبر الأراضي السورية.

كما يجري العمل على إعداد مذكرات تفاهم جديدة بين الوزارات المختصة لاستكمال ما تم الاتفاق عليه خلال الزيارة.

هل ستعود سوريا للتدخل في لبنان؟

هذا السؤال كان الأكثر حضوراً في الإعلام اللبناني قبل الزيارة.

لكن التصريحات الرسمية الصادرة عن الجانبين حملت موقفاً واضحاً يؤكد أن دمشق لا تسعى إلى استعادة الدور الذي لعبته في العقود السابقة، وأن العلاقة الجديدة تقوم على احترام سيادة لبنان وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.

وأكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن الرئيس السوري أحمد الشرع أبلغه في أكثر من مناسبة أن “دور سوريا في لبنان لن يكون كما كان في الماضي”، وأن دمشق لن تكون مع طرف ضد آخر، بل تتعامل مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية فقط.

من جانبه، شدد الشيباني على أن مستقبل العلاقة يقوم على التعاون واحترام سيادة البلدين وتحقيق المصالح المشتركة، وهي رسائل هدفت إلى طمأنة الداخل اللبناني وإزالة المخاوف المرتبطة بإرث المرحلة السابقة.

ماذا بعد الزيارة؟

يرى مراقبون أن نجاح الزيارة لن يقاس بالتصريحات السياسية، بل بمدى تنفيذ الاتفاقات التي أُعلنت.

فاللجنة العليا المشتركة ستكون أمام ملفات معقدة تشمل ضبط الحدود، وتسهيل التجارة، وإدارة ملف اللاجئين، والتعاون الاقتصادي والأمني، وهي ملفات تحتاج إلى إرادة سياسية واستقرار إقليمي حتى تحقق نتائج ملموسة.

وفي المقابل، يتوقع أن تشهد الأشهر المقبلة زيارات متبادلة بين الوزراء والمسؤولين في البلدين، تمهيداً لتوقيع اتفاقيات تنفيذية في عدد من القطاعات الحيوية، بما يعكس انتقال العلاقات من مرحلة إعادة التواصل إلى مرحلة بناء شراكة مؤسساتية طويلة الأمد.

قراءة سياسية

تؤشر زيارة الشيباني إلى بيروت إلى أن دمشق تسعى لفتح صفحة جديدة مع لبنان، عنوانها التعاون الرسمي واحترام السيادة، في محاولة لتجاوز إرث السنوات الماضية وبناء علاقة أكثر توازناً.

ومع أن الطريق لا يزال طويلاً أمام معالجة الملفات العالقة، فإن الرسالة الأبرز التي خرجت بها الزيارة تتمثل في أن العلاقة بين البلدين تتجه نحو نموذج مختلف، يقوم على الشراكة بين مؤسسات الدولتين، لا على النفوذ السياسي أو الأمني.

ويبقى نجاح هذا المسار مرهوناً بقدرة الطرفين على تحويل الاتفاقات الموقعة إلى خطوات عملية، بما يحقق مصالح الشعبين السوري واللبناني، ويؤسس لعلاقات مستقرة في مرحلة إقليمية تشهد تغيرات متسارعة.

- Advertisement -

- Advertisement -