السوري ـ إدلب
وسط التلال الكلسية في منطقة جبل الزاوية جنوب محافظة إدلب، تقف مدينة البارة الأثرية شاهدة على واحدة من أكثر الفترات ازدهاراً في تاريخ شمال سوريا، حيث لا تزال أضرحتها الحجرية ذات الأسقف الهرمية، المعروفة شعبياً باسم “أهرامات البارة”، تحافظ على حضورها رغم تعاقب القرون وما شهدته المنطقة من حروب وإهمال.
وتعد البارة واحدة من أكبر وأهم مدن المدن المنسية في شمال سوريا، وهي مجموعة من المواقع الأثرية التي أدرجتها منظمة اليونسكو على قائمة التراث العالمي، لما تمثله من نموذج فريد للحياة الريفية والازدهار الاقتصادي خلال العصر البيزنطي بين القرنين الرابع والسابع الميلاديين.
ورغم التسمية الشائعة، فإن “أهرامات البارة” ليست أهرامات بالمعنى المعروف في الحضارة المصرية، وإنما هي أضرحة جنائزية شُيدت لعائلات ثرية، تميزت بأسقف حجرية هرمية الشكل، في تصميم معماري نادر يعكس مستوى متقدماً من فنون البناء والهندسة في تلك الحقبة.
مدينة ازدهرت بالزراعة والتجارة
تشير الدراسات الأثرية إلى أن البارة كانت من أغنى مدن جبل الزاوية، مستفيدة من خصوبة الأراضي المحيطة بها، حيث ازدهرت زراعة الزيتون والعنب والحبوب، وتحولت إلى مركز مهم لإنتاج زيت الزيتون وتجارته، وهو ما تؤكده مئات المعاصر الحجرية التي ما تزال آثارها قائمة حتى اليوم.
كما تضم المدينة بقايا كنائس بيزنطية كبيرة، ومنازل فخمة متعددة الطوابق، وخزانات مياه، وشوارع مرصوفة بالحجارة، إضافة إلى مقابر وأضرحة تعكس المكانة الاجتماعية والاقتصادية لسكانها في تلك الفترة.
ويرى باحثون في الآثار أن الازدهار الاقتصادي الذي شهدته البارة أسهم في ظهور هذا الطراز المعماري الفريد للأضرحة، إذ كانت العائلات الميسورة تبني مدافنها بأسلوب يبرز مكانتها، وهو ما يفسر انتشار الأضرحة الهرمية التي أصبحت اليوم أبرز معالم المدينة.
تحفة معمارية فريدة
تتميز الأضرحة الهرمية في البارة ببنائها من الحجارة الكلسية الضخمة، وقواعدها المربعة التي تعلوها أسقف هرمية متدرجة، إلى جانب زخارف معمارية تضم أعمدة وأقواساً ونقوشاً نباتية لا تزال أجزاء منها واضحة حتى اليوم.
ويؤكد مختصون أن هذه الأبنية تمثل نموذجاً نادراً للعمارة الجنائزية البيزنطية في الشرق، إذ لا يوجد لها مثيل بهذا العدد والحالة المعمارية في مواقع أثرية أخرى داخل سوريا.
من الازدهار إلى الهجر
شهدت البارة ذروة ازدهارها خلال القرنين الخامس والسادس الميلاديين، قبل أن تبدأ بالتراجع نتيجة التحولات الاقتصادية والسياسية وتغير طرق التجارة، وصولاً إلى هجرها تدريجياً خلال القرن الثاني عشر، لتتحول مع مرور الزمن إلى مدينة أثرية حافظت على جزء كبير من عمرانها الأصلي.
ومع اندلاع الحرب السورية، تعرض الموقع الأثري لمخاطر متعددة، شملت القصف في محيطه، وأعمال التنقيب غير الشرعية، والإهمال الناتج عن غياب أعمال الصيانة والترميم، ما أثار مخاوف متكررة لدى المنظمات المعنية بحماية التراث الثقافي.
تراث عالمي يحتاج إلى الحماية
اليوم، تمثل البارة، بما تضمه من أهرامات حجرية وكنائس ومعاصر زيتون ومبانٍ سكنية، إحدى أهم الوجهات الأثرية في شمال سوريا، كما تشكل جزءاً من مواقع “المدن المنسية” المدرجة على قائمة التراث العالمي، وهو ما يضع مسؤولية إضافية على الجهات المحلية والدولية للحفاظ عليها.
ويرى مختصون أن حماية هذا الموقع لا تقتصر على ترميم الأبنية المتضررة، بل تشمل أيضاً توثيق معالمه، ومنع التعديات، وتوفير الظروف المناسبة لإعادة إدراجه ضمن المسارات السياحية والثقافية مستقبلاً، باعتباره أحد أبرز الشواهد على الحضارة البيزنطية في بلاد الشام.
ورغم صمت الحجارة الذي يلف المكان، ما تزال أهرامات البارة تروي قصة مدينة كانت يوماً مركزاً للحياة والازدهار، قبل أن تتحول إلى متحف مفتوح في الهواء الطلق، يحتفظ بذاكرة قرون طويلة من التاريخ السوري.