بعد نحو عام على واحدة من أكثر المحطات دموية في سوريا خلال السنوات الأخيرة، أعلنت السلطات السورية بدء أولى جلسات المحاكمة الخاصة بالمتهمين في أحداث السويداء التي شهدت أعمال عنف واسعة في يوليو/تموز 2025، وسط تساؤلات متزايدة حول جدية المسار القضائي، وقدرته على محاسبة جميع المسؤولين، بمن فيهم عناصر في المؤسسات الرسمية.
وأفادت وزارة العدل السورية أن النيابة العامة العسكرية أحالت عدداً من المتهمين إلى قاضي التحقيق، فيما بدأت محكمة الجنايات العسكرية في دمشق منذ الأول من يوليو/تموز النظر في بعض الملفات خلال جلسات علنية بحضور المتهمين ومحاميهم، مؤكدة أن المحاكمات تُجرى وفق الضمانات القانونية المنصوص عليها، وأن المساءلة ستشمل كل من تثبت مسؤوليته، بغض النظر عن صفته أو الجهة التي ينتمي إليها.
لكن الإعلان عن بدء المحاكمات يأتي بعد أشهر طويلة من الانتقادات التي وُجهت إلى السلطات بسبب بطء الإجراءات، وتأخر الكشف عن نتائج التحقيقات، رغم حجم الانتهاكات التي وثقتها جهات رسمية ودولية.
وكانت لجنة التحقيق التي شكّلتها الحكومة قد أعلنت سابقاً إعداد قوائم تضم مشتبه بهم من وزارتي الدفاع والداخلية، إلى جانب مسلحين من الفصائل الدرزية ومدنيين من البدو والعشائر، للاشتباه بارتكابهم انتهاكات جسيمة خلال الأحداث.
وشهدت محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، أسبوعاً من المواجهات الدامية التي بدأت باشتباكات بين مجموعات مسلحة درزية ومقاتلين من البدو، قبل أن تتوسع مع تدخل القوات الحكومية، ثم دخول مسلحين من العشائر إلى جانب البدو، ما أدى إلى تصاعد غير مسبوق في أعمال العنف والانتهاكات.
وبحسب تقرير لجنة التحقيق الرسمية، بلغ عدد الضحايا الموثقين 1760 قتيلاً على الأقل، بينما أشارت وسائل إعلام سورية إلى أن الحصيلة تجاوزت ألفي قتيل، بينهم 789 مدنياً من أبناء الطائفة الدرزية.
كما وثقت منظمات حقوقية وشهادات ناجين وقوع عمليات إعدام ميدانية وتعذيب وحرق للمنازل، وهي انتهاكات قالت لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بشأن سوريا إنها قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ورغم بدء المحاكمات، لا تزال علامات الاستفهام تحيط بالدور الحكومي خلال الأزمة. فالتقارير الرسمية نفسها أقرت بوجود مشتبه بهم من الأجهزة الأمنية والعسكرية، الأمر الذي يثير تساؤلات حول أسباب عجز السلطات عن منع تصاعد العنف منذ بدايته، ومدى مسؤولية مؤسسات الدولة عن حماية المدنيين، خصوصاً بعد تحول الاشتباكات المحلية إلى موجات واسعة من القتل والانتهاكات.
ويرى مراقبون أن اختبار العدالة الحقيقي لن يكون في عقد جلسات المحاكمة بحد ذاته، وإنما في مدى استقلال القضاء، وشفافية الإجراءات، ووصول المساءلة إلى جميع المتورطين دون استثناء أو حصانة، إضافة إلى إعلان نتائج التحقيقات للرأي العام وتعويض الضحايا وكشف مصير المفقودين.
وفي ظل استمرار المطالبات المحلية والدولية بتحقيق العدالة، تبقى المحاكمات الحالية خطوة أولى قد تفتح الباب أمام محاسبة حقيقية، أو تتحول إلى إجراء شكلي إذا اقتصرت على مسؤولين من مستويات دنيا، من دون مساءلة أصحاب القرار أو كشف الحقيقة الكاملة بشأن واحدة من أكثر المجازر دموية التي شهدتها محافظة السويداء.