لكل السوريين

نساء المياومة في ريف حمص وحماة.. كفاح صامت من أجل البقاء

حماة/ جمانة الخالد

في القرى الصغيرة الممتدة بين ريف حمص وحماة، تبدو صورة النساء العاملات بالمياومة حاضرة في كل زاوية. فمع شروق الشمس، تخرج الكثير منهن إلى الحقول أو الأسواق الشعبية، بحثًا عن عمل مؤقت يؤمن لقمة العيش لأسرهن. فاطمة، ابنة إحدى القرى القريبة من سلمية، تترك بيتها البسيط كل صباح وتتوجه إلى ساحة البلدة، تنتظر أن يطلبها أحد أصحاب المحلات للمساعدة في التنظيف أو ترتيب البضائع مقابل أجر زهيد. لا تدري إن كان هذا اليوم سيمنحها فرصة عمل أم لا، لكنها لا تستطيع الجلوس مكتوفة اليدين، فاحتياجات أطفالها لا تنتظر.

العمل بالمياومة في هذه المناطق لا يوفر أي ضمان أو استقرار. فالأجر اليومي يتغير من مهمة لأخرى ومن صاحب عمل إلى آخر، وغالبًا ما يتأخر الدفع أو يُخصم جزء من المتفق عليه. النساء يبذلن جهدًا كبيرًا في أعمال مرهقة، لكن العائد المالي يظل ضعيفًا، بالكاد يغطي أساسيات الحياة، وأحيانًا أقل من ذلك.

سعاد، أرملة نازحة من ريف حمص الشمالي، تعمل منذ ثلاث سنوات في مواقع بناء صغيرة بأطراف حماة. تنقل الطوب، تنظف الأرضيات، وتتحمل مشقة الأعمال التي يندر أن تقبل بها نساء غيرها. ومع كل مساء تعود إلى خيمتها في المخيم مرهقة وخائفة من اليوم التالي، إذ إن غياب العمل يعني غياب الطعام عن مائدة أطفالها. أما مها، التي تجاوزت الأربعين من عمرها وتعيش في ريف حماة الغربي، فقد وجدت نفسها مضطرة إلى غسل السيارات في البلدة لقاء مبلغ لا يكاد يكفي لشراء الخبز. ومع مرض زوجها وعجزه عن العمل، أصبحت هي المعيل الوحيد للأسرة.

تعيش النساء العاملات بالمياومة في ريف حمص وحماة تحت ضغط نفسي واجتماعي هائل. فبينما يسعين لتأمين لقمة العيش، يجدن أنفسهن مضطرات للتخلي عن وقت طويل مع أبنائهن. بعضهن يتركن أطفالًا صغارًا وحدهم في البيوت ساعات طويلة، وهو ما يولد شعورًا بالذنب والخوف. وفي مجتمع لا ينظر دائمًا بعين الرضا إلى عمل المرأة في المهن الشاقة أو في الأماكن العامة، تتضاعف الضغوط اليومية عليهن.

تدهور الأوضاع الاقتصادية في هذه المناطق جعل من العمل غير النظامي الخيار الأخير أمام الكثير من النساء. وعلى الرغم من أن مساهمتهن حيوية في إعالة أسرهن، إلا أن المؤسسات الرسمية غالبًا ما تغض الطرف عن معاناتهن. فلا وجود لقوانين تحمي حقوق العاملات بالمياومة، ولا ضمان اجتماعي أو صحي، ولا برامج كافية تتيح لهن الانتقال إلى عمل أكثر استقرارًا.

ومع ذلك، لا ينعدم الأمل. بعض النساء في ريف حمص وحماة أظهرن قدرة كبيرة على التكيف، فبدأن باستثمار خبرتهن في أعمال منزلية صغيرة، مثل تحضير المأكولات التقليدية أو الخياطة، لتأمين دخل إضافي ولو بسيط. هذه المبادرات تبقى محدودة من دون دعم حقيقي من المجتمع المدني والجهات المعنية، لكنها تعكس إرادة قوية لمواجهة الظروف القاسية.

إن قصص فاطمة وسعاد ومها، رغم أنها نماذج افتراضية، تعكس واقعًا يوميًا يعيشه آلاف النساء في ريف حمص وحماة. هن لا يبحثن عن رفاهية أو ترف، بل عن أبسط حقوقهن في حياة كريمة. تجاهل معاناتهن يعني المزيد من الفقر والتهميش، بينما الاعتراف بدورهن وتقديم الدعم اللازم يمكن أن يحول حكايات الصراع إلى قصص نجاح. فالمجتمع الذي يضمن لنسائه حقوق العمل الكريم، هو المجتمع القادر على النهوض من أزماته وبناء مستقبل أفضل للجميع.

- Advertisement -

- Advertisement -