تتواصل في العراق النقاشات السياسية والأمنية بشأن مصير السلاح الموجود خارج إطار الجيش العراقي، بالتزامن مع اقتراب مواعيد حاسمة حددتها القوى السياسية لمعالجة ملف الفصائل المسلحة، وسط مخاوف من أن يتحول الخلاف حول آلية تنظيم السلاح إلى أزمة داخلية جديدة.
وفي خضم هذه النقاشات، برز مقترح يقضي بإيداع أسلحة الفصائل في مخازن تابعة لهيئة الحشد الشعبي، بدلاً من تسليمها مباشرة إلى الجيش العراقي، في خطوة تبدو أقرب إلى تسوية سياسية وأمنية تراعي خصوصية الفصائل وتجنب فرض صيغة قد تُفسَّر على أنها نزع قسري للسلاح.
ويستند هذا الطرح إلى طبيعة الحشد الشعبي نفسه، الذي يمثل مؤسسة رسمية ضمن المنظومة الأمنية العراقية، لكنه يحتفظ في الوقت ذاته بخصوصية تنظيمية وعقائدية تجعله أكثر قبولاً لدى الفصائل المسلحة من المؤسسات العسكرية التقليدية. ومن شأن وضع الأسلحة في مستودعات الحشد أن يوفر إطاراً مؤسسياً لحفظها، من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الجهات التي تمتلكها.
وفي هذا السياق، قال النائب الأول لرئيس البرلمان العراقي عدنان فيحان، خلال مشاركته في فعاليات حوار بغداد الثامن، إن فصائل المقاومة لن تتنازل عن سلاحها بعد 30 أيلول المقبل، مشيراً إلى أن الأسلحة يمكن أن تُودع في مخازن الحشد الشعبي.
وأكد فيحان أن هذا الخيار لا يعني التخلي عن السلاح، بل حفظه ضمن مؤسسة رسمية، مشدداً على أن السلاح، وفق رؤية الفصائل، مرتبط بحماية الدولة. كما سعى إلى تهدئة المخاوف من احتمال اندلاع مواجهة داخلية، مؤكداً عدم وجود مؤشرات على حرب “شيعية-شيعية”، وداعياً إلى احتواء الخلافات بالحوار بدلاً من الصدام.
وتكشف هذه التصريحات عن حساسية ملف السلاح في العراق، إذ لا يتعلق الأمر بالجانب الأمني وحده، بل يرتبط أيضاً بتاريخ الفصائل ودورها خلال السنوات الماضية، ولا سيما مشاركتها إلى جانب القوات العراقية في مواجهة تنظيم داعش واستعادة مناطق واسعة من الأراضي العراقية.
ومن هنا، تبدو صيغة مخازن الحشد محاولة لتحقيق توازن بين مطلب حصر السلاح بيد الدولة وبين الحفاظ على مكانة الفصائل وعدم دفعها إلى مواجهة مباشرة مع المؤسسات الأمنية. كما يمكن أن تشكل هذه الصيغة، في حال التوافق عليها، مرحلة انتقالية تسمح بتنظيم الأسلحة الثقيلة ووضعها تحت إشراف مؤسسي، بدلاً من تسليمها الفوري إلى الجيش.
وتزامنت هذه التطورات مع حراك سياسي ودبلوماسي مكثف في بغداد، شمل لقاءات ومشاورات مع قوى إقليمية، في محاولة لإيجاد مخرج لملف السلاح يحافظ على الاستقرار الداخلي ويمنع تحول الخلاف إلى أزمة أمنية مفتوحة.
وبذلك، قد تمثل مخازن الحشد الشعبي مخرجاً وسطاً في معادلة شديدة التعقيد: الدولة تريد ضبط السلاح، والفصائل ترفض التخلي عنه، فيما تبحث القوى السياسية عن صيغة تمنع الصدام. ويبقى نجاح هذا الخيار مرهوناً بمدى قدرة بغداد على تحويله من تسوية مؤقتة إلى آلية واضحة تضمن القرار الأمني للدولة وتحافظ على استقرار العراق.