لكل السوريين

معهد واشنطن يحذر من استعادة روسيا نفوذها في سوريا

دمشق

حذر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط من مساعي روسيا لإعادة ترسيخ نفوذها في سوريا عبر استراتيجيات هادئة تعتمد على إغراء دمشق بصفقات “غير مشروطة”، في محاولة لاستخدام البلاد كورقة استراتيجية طويلة الأمد ضد المصالح الأمريكية، داعياً الحكومات الغربية إلى استثمار نفوذها الاقتصادي الحالي بشكل كامل.

وأشار التقرير إلى أنه بعد نحو عام على سقوط بشار الأسد، المدعوم من موسكو، أتيحت للولايات المتحدة فرصة نادرة لإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط، إلا أن هذه الفرصة بدأت تتلاشى مع إعادة روسيا تموضعها داخل سوريا، وحذر المعهد من أن الفشل في مواجهة تحركات موسكو هناك قد يُكلف الغرب خسائر فادحة على المستوى العالمي.

وفي هذا السياق، استضاف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رئيس الحكومة السورية الانتقالية أحمد الشرع، في زيارة هي الأولى له منذ سقوط الأسد، بتاريخ 15 تشرين الأول الجاري، بهدف إعادة تعريف العلاقات بين البلدين.

ويرى التقرير أن سوريا تكتسب أهمية استراتيجية بالغة بالنسبة لروسيا، بسبب موقعها الجغرافي على شرق البحر الأبيض المتوسط، ما يمنح موسكو منفذًا لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط وإفريقيا والجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) وجنوب أوروبا عموماً، ومع استمرار الحرب في أوكرانيا، يُعد الوصول إلى شرق المتوسط مساراً لوجستياً حيوياً لموسكو.

رغم تراجع الاهتمام الدولي بالوجود الروسي في سوريا، فإن نفوذ موسكو يتعزز تدريجياً، إذ تحتفظ بحق الوصول إلى القاعدتين العسكريتين في طرطوس وحميميم، وقد تعيد توظيفهما في مهام إضافية مثل إنشاء مراكز لإرسال المساعدات الإنسانية إلى إفريقيا.

وخلال اجتماعه مع بوتين، أكد الشرع التزامه بالاتفاقيات السابقة المبرمة مع روسيا، في خطوة عكست استمرار سلامة القواعد الروسية داخل الأراضي السورية، كما تواصل روسيا تزويد سوريا بالنفط وتشارك في طباعة العملة السورية، فيما تبقى سفارتها في دمشق مفتوحة.

ويشير التقرير إلى أن موسكو في موقع مؤهل لتوطيد علاقاتها مع دمشق عبر وسطاء تجاريين غير شفافين، مع تخفيف القيود على المعاملات الاقتصادية.

وفي بداية أيلول الماضي، زار نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك سوريا على رأس وفد رسمي، وعرض تقديم المساعدة والتعاون في مجال الطاقة، كما دعت الحكومة السورية شركة “تاتنفت” الروسية، خامس أكبر شركة طاقة في روسيا، إلى استئناف عملياتها إلى جانب شركات روسية أخرى.

ويرى مراقبون أن استقرار سوريا لا يجب أن يكون على حساب أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، رغم أن روسيا لا تواجه أي حظر على توريد النفط إليها.

وأكد التقرير أن رئيس الحكومة السورية الانتقالية أحمد الشرع شدد قبل زيارته موسكو على ضرورة استمرار العلاقات مع روسيا، مشيرًا إلى أن بلاده لا تزال تعتمد على موسكو في المعدات العسكرية والدعمين الدبلوماسي والاقتصادي، رغم توجهها المتزايد نحو الغرب.

وأوضح التقرير أن سقوط نظام الأسد لم يكن ضربة قاصمة لموسكو كما اعتقد كثيرون في الغرب، إذ كشف الشرع أن قواته دخلت في مفاوضات سرية مع الروس أثناء هجوم “ردع العدوان” الذي أطاح بالأسد.

ووفق الشرع، فإن قواته دخلت مدينة حمص بينما “ابتعدت روسيا عن المعركة”، في حين تجنبت القوات السورية الجديدة مهاجمة قاعدة حميميم الجوية الروسية، وهو ما عكس قرار موسكو بالتخلي عن الأسد مع الاحتفاظ بنفوذها داخل سوريا عبر علاقاتها مع القيادة الجديدة.

وحذر التقرير من أن تجاهل استمرار التدخل الروسي في سوريا سيُضعف مصداقية الولايات المتحدة لدى حلفائها وشركائها في أوروبا والشرق الأوسط، كما أن فك الارتباط الأمريكي هناك سيوفر لموسكو موارد إضافية لمواصلة حربها على أوكرانيا، ويعزز مساعيها لتقليص النفوذ الأمريكي وفرض نظام دولي متعدد الأقطاب.

وأضاف التقرير أن سياسة موسكو في سوريا تركز على هدف استراتيجي أوسع للرئيس بوتين، لا يتمثل فقط في دعم النظام السوري، بل في إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية لمصلحة روسيا. ويؤكد المعهد أن الفشل في التصدي لهذه التحركات قد يقوض الأهداف الأمريكية في أوروبا وأوكرانيا وحلف شمال الأطلسي.

ويرى صناع القرار الأمريكيون أن روسيا تستفيد بالفعل من توسيع علاقاتها الاقتصادية والسياسية في سوريا ما بعد الأسد، رغم أن الأسد وبوتين لم يُحاسبا على الجرائم المرتكبة في البلاد، بما في ذلك القصف العشوائي والتعذيب.

وأشار التقرير إلى أن روسيا استخدمت الحرب السورية كـ“حقل تجارب” لمعداتها وتكتيكاتها العسكرية التي اعتمدتها لاحقاً في أوكرانيا، مبيناً أن الكرملين يخوض “لعبة طويلة الأمد” داخل سوريا، ويعمل على بناء علاقاته بحذر وعلى جبهات متعددة، مقدماً نفسه كقوة توازن أمام الفاعلين الآخرين.

ويعتقد مراقبون أن موسكو تستغل هذه العلاقات لتأجيج التوترات العرقية والطائفية، ما يجعل سوريا أكثر ضعفاً وانقساماً، وبالتالي أكثر قابلية للتأثير الخارجي.

وحذر التقرير من أن الوقت ينفد أمام الغرب لكبح النفوذ الروسي، داعياً إلى تقديم بدائل اقتصادية وسياسية حقيقية أمام دمشق، مع الضغط على الشرع لتقليص اعتماد بلاده على موسكو.

وأوضح أن سوريا بحاجة إلى اقتصاد فعّال لا تستطيع روسيا توفيره، في حين تبدي دمشق رغبة متزايدة في التواصل مع الغرب، فيما تستغل موسكو أي فراغ غربي لتقديم دعمها غير المشروط، على عكس الديمقراطيات التي تربط المساعدات بتحسين أوضاع حقوق الإنسان.

ويختتم التقرير بالتحذير من أن توسيع نفوذ روسيا في سوريا قد يؤدي إلى زيادة عدم الاستقرار الإقليمي، ويصرف انتباه الغرب عن جبهات حيوية أخرى مثل أوكرانيا، مؤكداً أن الفشل في كبح طموحات بوتين سيعيد روسيا بقوة إلى المنطقة مع تداعيات خطيرة على الأمنين الإقليمي والدولي.

- Advertisement -

- Advertisement -