دمشق/ مرجانة إسماعيل
في شوارع دمشق وأسواقها المزدحمة، حيث تتقاطع الوجوه المتعبة مع أحاديث الغلاء والبحث عن لقمة العيش، تتسلّل موجة جديدة من الأمل المزيّف تحمل اسم “الربح السريع عبر التداول الرقمي”. مئات من السوريين، من طلاب الجامعات إلى موظفين ومتقاعدين وربّات بيوت، باتوا يجدون في المنصات الإلكترونية التي تروّج للعملات المشفّرة فرصة للهروب من الضيق الاقتصادي الذي يثقل حياتهم اليومية. لكن هذا الحلم سرعان ما يتحوّل إلى كابوس حين تختفي المنصات بين ليلة وضحاها، تاركةً وراءها ضحايا فقدوا مدخراتهم وثقتهم بأي وسيلة استثمار.
تروي ريم، وهي طالبة جامعية من ضاحية قدسيا، حكايتها بمرارة: “بدأت بمئتي دولار فقط في منصة اسمها كريبتو وين، وبعد أسبوعين أغلقت المنصة فجأة. حاولت التواصل مع الدعم، لكن كل شيء اختفى”. ما خسرته ريم لم يكن مبلغاً كبيراً مقارنة بغيرها، لكنه كان كل ما جمعته من عملها الجزئي لأشهر طويلة. تقول: “كنت أريد مساعدة أهلي في المصروف، لكنني صرت عبئاً إضافياً”.
القصة تتكرّر بصيغ مختلفة في أنحاء دمشق وحمص وحماة واللاذقية. سامر، موظف من حي المزة، باع بعض الأثاث ليزيد إيداعه في منصة “دوبيبو” التي أغرته بربح 40 بالمئة خلال أيام. يقول: “رأيت جيراني ينشرون صوراً لتحويلات مالية حقيقية، فظننتها آمنة”. لكن بعد فترة قصيرة، توقفت المنصة عن العمل، وأعلنت الانتقال إلى منصة جديدة باسم “فيكتوري” لاسترجاع الأموال المفقودة. “ظننت أنها فرصة ثانية”، يضيف سامر، “لكنها كانت الخديعة الكبرى، فقد ضاعت أموالي بالكامل”.
في حي الميدان، عاش حسام التجربة نفسها، إذ بدأ بإيداع عشرة دولارات فقط لتجربة التداول، ثم وجد نفسه بعد شهر وقد خسر ألف دولار. يقول: “كانت البداية مشجعة، أرباح صغيرة وسريعة، ثم بدأوا يطلبون مني مضاعفة الإيداع لأرباح أكبر، وبعدها اختفى كل شيء”. بالنسبة لحسام، كان التداول طوق نجاة من البطالة، لكنه تحوّل إلى صدمة جعلته يشكّ في أي فرصة استثمارية مستقبلاً.
وراء هذه القصص يقف نمط واحد من الاحتيال وصفه الخبير الاقتصادي ميلاد نصرة بأنه “تداول وهمي قائم على الخداع النفسي”. يوضح نصرة أن تلك المنصات تعتمد على وعود كاذبة بأرباح مضمونة وسريعة، وتستخدم بيانات ورسومات مزيفة لإيهام المستخدمين بأنهم يحققون مكاسب. ثم تبدأ المرحلة الثانية من الاستغلال عبر الطلب المتكرر بزيادة الإيداع، إلى أن تختفي الشركة ومعها الأموال. “هذه المنصات لا تملك أي ترخيص رسمي، وغالباً تُدار من جهات مجهولة في الخارج، مما يجعل ملاحقتها القانونية شبه مستحيلة”، يضيف نصرة.
ويحذر الخبير من أن ما يجري في دمشق وباقي المحافظات هو نتيجة مباشرة للتدهور المعيشي وغياب البدائل الاقتصادية. فالشباب العاطل عن العمل يرى في التداول الرقمي باباً سهلاً لتأمين دخلٍ سريع، فيما الموظف الذي لا يتجاوز راتبه 200 ألف ليرة يبحث عن أي فرصة لتعويض نقص الدخل. لكنّ هذا “الأمل الرقمي” ما يلبث أن يتحوّل إلى مصيدة.
تجربة محمود من مشروع دمر تكشف عمق المأساة. “كنت أتابع زميلاً لي في العمل يتحدث عن أرباح كبيرة من منصة كابيتال إكس، وبعد أن رأيت المال بعيني قررت الدخول. بعت خاتم الزواج وأودعت المبلغ، وبعد شهرين أغلقت المنصة، واختفى زميلي أيضاً”. بعد أيام تبيّن أن زميله كان من المروجين الذين يحصلون على عمولات لقاء استقطاب مستخدمين جدد. يقول محمود بأسى: “خسرت المال، والخاتم، وثقتي بالناس”.
ويرى نصرة أن انتشار هذه الظاهرة لا يمكن فصله عن الانفتاح الرقمي غير المنضبط الذي يشهده المجتمع السوري في ظل غياب الرقابة التقنية، وندرة التوعية المالية. “هذه المنصات تعمل بطريقة التسويق الهرمي، حيث يتحول الضحايا أنفسهم إلى أدوات لجذب ضحايا آخرين دون أن يدركوا ذلك. ومع كل جولة، تزداد الأموال في يد المحتالين حتى تختفي المنصة تماماً”.
من جهته، حذّر مصرف سورية المركزي في بيان صدر في آب الماضي من التعامل بالعملات الرقمية أو التداول عبر المنصات الإلكترونية غير المرخصة، مؤكداً أن تلك العملات “لا تمثل وسيلة دفع قانونية، وأن التعامل بها يحمل مخاطر مالية جسيمة”. لكن البيان لم يوقف النشاط المتزايد، إذ يرى كثير من السوريين أن الأزمة الاقتصادية لا تترك لهم خياراً سوى المغامرة، ولو كانت النتيجة الخسارة.
سعاد، وهي معلمة من دمشق، فقدت راتب أربعة أشهر في منصة تدعى “ديجيتال تريد”، لكنها ما زالت تؤمن بأن الحل ليس في المنع، بل في التنظيم. تقول: “نحن بحاجة إلى إطار قانوني واضح يحدد ما هو مسموح وما هو محظور، مثلما تفعل الدول الأخرى التي تنظم هذا القطاع. ما يحدث الآن هو فوضى يستغلها المحتالون”.
في ختام حديثه، يشدّد الخبير نصرة على أن التداول ليس طريقاً إلى الثراء السريع كما يظن الكثيرون، بل هو مجال معقّد يتطلب معرفة وإدارة دقيقة للمخاطر. “ينبغي على من يرغب بالتجربة أن يبدأ بحساب تجريبي، وأن يتأكد من ترخيص المنصة قبل إيداع أي مبلغ. لا توجد أرباح مجانية في عالم المال، وكل وعدٍ بالربح المضمون هو إشارة خطر يجب الانتباه إليها”.
بين الحلم والواقع، يعيش السوريون في دمشق والمناطق المجاورة حالة من التعلّق بالأمل الرقمي. يطاردون الربح عبر شاشات الهواتف فيما تتآكل قدرتهم الشرائية يوماً بعد يوم. وفي الوقت الذي تتلاشى فيه المنصات الوهمية، تبقى الخسارة حقيقية، تُضاف إلى سلسلة أوجاع السوريين الذين ما زالوا يبحثون، في كل زاوية، عن وسيلة للنجاة من ضيق الحياة ومرارة الفقر، ولو كانت تلك الوسيلة مجرّد سرابٍ في عالم الإنترنت.